رقصة على حطام قلب
حمله جاسر بيد، واحتضن غزل بالأخرى:
جاسر: “يعني… هيبقى لك أخ. أو أخت. تلعب معاك… وتاخد بالك منها، زي ما أنا باخد بالي من أمك.”
صرخ يونس بفرح:
يونس: “هييييه!”
وفي الخلف…
انطلقت زغرودة فاطمة، وهي توزّع الشربات على الجميع.
ليلًا — غرفة النوم
كانت غزل نائمة على صدره، يدها فوق قلبه، وأنفاسها هادئة.
أما جاسر، فكان مستيقظًا، ينظر إلى السقف، ويمرّر يده في شعرها بحنانٍ لا يُوصف.
انحنى، وقبّل رأسها:
جاسر: “أنا عمري ما كنت أتخيل إن ربنا هيعوضني بيكي مرتين… مرة بيونس، ومرة باللي في بطنك.”
رفعت رأسها قليلًا، وابتسمت:
غزل: “تفتكر ولد ولا بنت؟”
ضحك بخفة:
جاسر: “اللي يجيبه ربنا نعمة… بس لو بنت… هسميها حياه”
غزل: “اسم حلو أوي.”
جاسر: “بس يا رب تطلع حلوة زي أمها.”
اقترب منها، وقبّلها برقة…
قبلة مليئة بالخوف عليها، وعلى ما تحمله في أحشائها.
جاسر: “من النهاردة… ممنوع الزعل اي كان السبب. ممنوع الشغل ابدا هنرتاحي ف البيت وكل طلباتك هتجيلك لحد عندك. ممنوع تشيلي حاجة تقيلة. راحة تامة وبس. ”
ضحكت بخفة:
غزل: “يا راجل يا متحكم… طب والورشة؟”
ابتسم بثقة:
جاسر: “الورشة ليها رجالة… إنتي ملكة. والملكة مبتشتغلش.”
شدّ الغطاء عليها، واحتضنها من الخلف…
يد على بطنها، ويد تحت رأسها.
جاسر: “نامي يا غزل… وارتاحي.”
أغمضت عينيها، وهمست:
غزل: “أنا بحبك… قد عمري اللي فات… وقد عمري اللي جاي.”
نامت…
وهو يحتضنها، ويحتضن حلمه الذي لم يولد بعد.
في اليوم التالي — أمام معمل مدحت
كان مدحت يوزّع الكروت بثقة، حين مرّ عطية.
أوقفه بابتسامة باردة:
مدحت: “يا حاج عطية… سامح بيه بيبعت لك السلام. وبيقولك… الأرض اللي رجعت لجاسر… نصها من حقك. إنت اللي دفعت 200 ألف… ولا نسيت؟”
احمرّ وجه عطية:
عطية: “أنا توبت.”
اقترب مدحت، وهمس في أذنه كسمٍّ بطيء:
مدحت: “توبت؟ طب ولو قلت لجاسر إنك إنت اللي أقنعت راضي يقتل نصار… مش سامح لوحده؟ ساعتها… هيعمل فيك إيه؟”
في زاوية بعيدة…
كان بليه واقفًا، يسمع كل شيء.
وقلبه يخبط في صدره بعنف.
يخبر جاسر؟
أم يصمت… ويقبض؟
المساء — أمام الورشة
كان جاسر يغلق الورشة، وغزل بجانبه تمسك بيد يونس.
فجأة…
اندفع عطية نحوهما، وجهه شاحب، وأنفاسه متقطعة:
عطية: “يا جاسر… يا بني… الحقني. الكلب… مدحت… بيهددني. عايز يوقع بينا. معاه ورق مزوّر… بيقول إني…”
أمسكه جاسر من كتفه بثبات:
جاسر: “اهدَى… اهدى يا حاج. قول. إحنا ستر وغطا على بعض.”
انهار عطية باكيًا:
عطية: “بيقول إني أنا اللي قتلت نصار… مش راضي. وإن معاه دليل. وعايزني أشهد زور… إن الأرض بتاعتي… وإن غزل… إن غزل مش بنت نصار… عشان يطعن في نسب يونس… وفي الجنين.”
تجمّد الدم في عروق غزل.
وضعت يدها على بطنها دون وعي… كأنها تحميه من كلمة.
ساد صمت ثقيل.
ثم نظر جاسر إلى عطية، وعيناه اشتعلتا بثباتٍ مخيف:
جاسر: “قوله… موافق. العب معاه. هاته لحد عندي… وسيب الباقي عليا.”
لم تكن الحرب قد بدأت بعد…
لكن أول خطوة فيها…
اتخذت.
كانت الورشة ساكنة…
لكن ذلك السكون لم يكن راحة، بل خدعة ثقيلة، تسبق العاصفة بلحظة.
خلف كل مخرطة رجل، وخلف كل بابٍ حديدي قلبٌ يخفق بعنف.
وقف جاسر في المنتصف، الجنزير ملفوف حول يده السليمة، وعيناه حمراوان… لكنهما ثابتتان، واعيتان.
إلى جواره، عم سيد ممسك بالنبوت، وعطية جالس يرتجف، يحرّك سبحته بلا توقف.
أما بليه… فكان واقفًا، وجهه شاحب، وعرقه ينزل كأنه واقف تحت مطر.
في الأعلى…
كانت غزل في بيت نصار، مع يونس وفاطمة.
الباب مغلق بإحكام… مئة ترباس، كما أراد جاسر.
وقد أقسم… ألا تنزل.
نظر جاسر إلى بليه، وقال بصوتٍ هادئ، لكنه حاسم:
جاسر: “آخر فرصة يا بليه. لو قلبك مع الكلب اللي بره… قول. والله ما هلمسك. بس هطردك من الحارة. ولو قلبك معانا… اثبت.”
ارتجف بليه، ثم قال بسرعة، كمن ينجو من الغرق:
بليه: “وحياة ربنا يا معلم! وغلاوة العشرة اللي بينا أنا توبت! مدحت اداني فلوس… بس أنا… أنا مقدرش أخون العيش والملح! مدحت جاي كمان شوية، ومعاه ورق مزوّر، وفلاشة عليها تسجيل مفبرك عشان يلبسها للحاج عطية! وعايز يصوّرك وإنت بتتخانق عشان يقول عليك بلطجي!”
هزّ جاسر رأسه ببطء:
جاسر: “عرفت. الحكومة مستنية إشارة مني. أول ما يدخل… هنقفل عليه المصيدة.”
بعد قليل
دخل مدحت.
نظارة شمس في الليل، حقيبة في يده، وخلفه اثنان كالحائط.
تقدّم بثقةٍ مستفزّة:
مدحت: “مساء الخير يا معلم. جاي نخلص… بالذوق. الحاج عطية قال لي إنك موافق نقسم الأرض. نصها ليك، ونصها لينا. وتمضي هنا…”
ألقى بالأوراق على المكتب:
مدحت: “وتنسى سامح بيه… وننساك.”
كان جاسر مستندًا إلى المخرطة، نصف ابتسامة على وجهه:
جاسر: “واللي في بطن مراتي؟ نقسمه هو كمان؟”
ضحك مدحت بسخرية باردة:
مدحت: “لا… ده ممكن ما نثبّتوش أصلًا. الفلاشة دي…”
أخرجها، ولوّح بها:
مدحت: “فيها تسجيل للحاج عطية وهو بيقول إن غزل مش بنت نصار… وإن الواد يونس ابن حرام. تشتري سكوتنا بكام؟”
في تلك اللحظة…
نهض عطية.
كان صوته كالرعد، يخرج من صدرٍ امتلأ بالخوف ثم انفجر:
عطية: “يا كلب! يا ابن الكلب! أنا الحاج عطية الجزار! دمي حر! وشرفي حر! وغزل… غزل بنت نصار غصب عنك وعن اللي مشغّلك! ويونس… ابن جاسر! واللي في بطنها… ابن جاسر! واللي يقول غير كده… هقطع لسانه!”
تبدّل وجه مدحت، وتكسّرت ثقته:
مدحت: “إنت بعتنا يا عطية؟ بعت سامح بيه؟”
أشار جاسر بإصبعه، وعيناه تلمعان ببرود خطر:
جاسر: “لا… إنت اللي جيت برجليك. للمخرطة. وعندنا… اللي يدخل المخرطة ظالم… يطلع منها مكسور.”
وفجأة—
صفيرٌ حاد.
سقط الباب الحديدي.
واندفعت الشرطة من الخلف.
الضابط دخل، س\لاحه مرفوع، وصوته صارم:
“محدّش يتحرك!”
لكن مدحت فقد عقله.
أخرج مطواة، وانقضّ نحو جاسر.
في لحظة—
لم يتحرّك جاسر.
بل كان بليه هو من اندفع.
ألقى بنفسه أمامه…
المطواة غاصت في كتفه.
صرخة شقّت المكان:
بليه: “اااااه!”
انفجر الغضب في عروق جاسر.