رقصة على حطام قلب

رفع حاجبيه بمشاكسة:
جاسر: “عيني مفتّحة أهو وشغالة.”
نهضت، وأطفأت النور، مكتفية بضوءٍ خافت من المصباح الصغير.
شغّلت أغنية هادئة من هاتفها القديم… ووقفت في منتصف الغرفة.
بدأت تتحرّك…
لم تكن رقصة استعراض، بل حكاية تُروى بالجسد.
يديها تتكلّمان، خصرها ينساب، وعيناها لا تفارقان عينيه.
ظلّ جاسر يراقبها، يضرب بإيقاع خفيف على ركبته بيده السليمة.
وعيناه تلمعان…
لم يكن بريق شهوة، بل حب… وفخر… ودهشة.
حين انتهت، كانت أنفاسها متسارعة.
اقترب منها، ونهض بصعوبة، ثم جذبها إلى حضنه بقوةٍ حانية.
غزل: “عجبك؟”
قبّل رأسها مبتسمًا:
جاسر: “عجبني؟ ده إنتي نار يا بت.”
ضربته بخفة على كتفه:
غزل: “بس قلة أدب!”
ضحك، وضمّها إليه أكثر.
استيقظ جاسر على صوتٍ خافت…
فتح عينيه، فوجدها تصلّي.
كانت ساجدة، تدعو بصوتٍ منخفض:
“يا رب… احفظهم لي، واحفظني ليهم، وعوّضنا عن كل اللي فات، واكفنا شر اللي جاي.”
أنهت صلاتها، والتفتت، فوجدته مستيقظًا ينظر إليها.
غزل: “صحّيتك؟”
هزّ رأسه بهدوء:
جاسر: “لا… أنا صاحي. بس هقوم أصلي معاكي… ثواني أتوضى وجاي.”
نهض، وتوضأ.
ثم وقفا جنبًا إلى جنب…
وكان هو الإمام.
استقرّت الحياة أخيرًا… كبحرٍ هدأت أمواجه بعد عاصفةٍ كادت تبتلع كل شيء.
صار صوت المخرطة نغمةً ثابتة في حارة المكسّر؛ نغمة رزقٍ نظيف، وشغلٍ بالحلال، تعلن أن الحياة عادت تدور من جديد.
يونس: “يا أسطى بليه… الشاي للزباين كدا هميشو ومش هيجلونا تاني
أما غزل، فكانت تمسك دفتر الحسابات بثقة، طرحتها مستقرّة على كتفها، وابتسامتها لا تفارق وجهها، كأنها أخيرًا وجدت مكانها الصحيح.
وجاسر…
فقد فكّ الجبس، لكن وجعًا خفيفًا ما زال يسكن كتفه.
وجعٌ غريب… لم يعد يؤلمه، بل يذكّره أنه نجا… وأنه انتصر.
العصرية — باب المخرطة
دخل رجلٌ أنيق، بدلة رسمية وربطة عنق، وحقيبة جلدية في يده.
اختلط عطره الباهظ برائحة الزيت والحديد، فبدت اللحظة كأن عالمين اصطدما في نقطة واحدة.
الرجل: “السلام عليكم. أنا الأستاذ كمال، المحامي… محامي الحاج نصار الله يرحمه.”
وقف جاسر على الفور، بينما تجمّدت غزل في مكانها.
جاسر: “خير يا أستاذ؟”
فتح كمال حقيبته، وأخرج ملفًا سميكًا، ثم قال بهدوء:
كمال: “الحاج نصار كان مأمّني على وصيته… وعلى ورق الأرض. وساب أمانة. وقال: لو مت… سلموها لجاسر. مش لأي حد تاني.”
ووضع الملف أمامهما.
ثم أضاف بنبرة حاسمة:
كمال: “عشان نقطع الشك باليقين يا معلم… أرض الوقف دي ملك الحاج نصار. هو اللي اشتراها بفلوسه الحلال، والعقد متسجل في الشهر العقاري باسمه… وده صورته.”
دفع بالعقد نحوهما.
كمال: “عطية الجزار كان عايز يلهفها، ودفع 200 ألف رشوة لنصار عشان يسكت عن تهريب الس\لاح بتاع سامح نصارخد الفلوس عشان يثبت الرشوة… بس الأرض فضلت بتاعته. ما باعش ولا اتنازل. مات وهي في حيازته القانونية.”
شهقت غزل، ووضعت يدها على فمها، كأن الحقيقة أثقل من أن تُصدق:
غزل: “يعني… يعني الأرض بتاعة أبويا ؟
كمال: “بتاعته… ومات وهي بتاعته. والفلوس اللي خدها من عطية؟ حطها في البنك، وكل جنيه متسجل. كان بيلعب معاهم لعبة كبيرة عشان يوقعهم… بس ملحقش. كتب كل حاجة باسمك إنتِ وجاسر ويونس. الأرض… تساوي دلوقتي حوالي 40 مليون. ودي…”
أخرج دفتر شيكات:
كمال: “حسابه في البنك. فيه 3 مليون تقدره تستلمو ف اي وقت
جلس جاسر ببطء، وكأن الأرض تميد تحته:
جاسر: “40 مليون؟
انهارت دموع غزل، احتضنت الأوراق كأنها تحتضن أباها:
غزل: “يا بابا… سترتني وانت عايش وانت ميت الله يرحمك ياحبيبي
جاسر: “حقك رجع يا بنت الأصول. وحق أبوكي رجع. وراسك هتفضل مرفوعة ليوم الدين.”
…..
جلست غزل على طرف السرير، تمسك بالعقد، تقرأه للمرة الألف، كأنها تخشى أن يختفي
خرج جاسر من الحمام، شعره مبلل، يرتدي ملابس بسيطة، لكن حضوره يملأ المكان.
ندبة الرصاصة على كتفه لم تُنقصه… بل زادته صلابة.
جاسر: “لسه صاحية؟”
نظرت إليه بعينين لا تصدّقان:
غزل: “مش مصدقة… من شهرين كنت برقص في فرح بـ200 جنيه… دلوقتي…معايا 40 مليون؟ وأرض أبويا طلعت بتاعته بجد؟”
جلس بجانبها، وأخذ الورق من يدها، ووضعه على الكومود .”
أمسك وجهها بين يديه:
جاسر: “مات راجل. وسابلنا ستر عمره م يعرينا ف يوم الورق ده… هنبني بيه مدرسة باسم أبوكِ، على أرضه. عشان الحارة كلها تعرف إن الوقف كان بتاعة نصار… وفضلت بتاعة نصار. واللي حاول يسرقه… اسمه بقى ممسوح.”
ارتمت في حضنه، تبكي بصمت:
غزل: “ربنا يرحمك يا بابا… كنت جبل.”
ربت عليها بحنان:
جاسر: “وإحنا… هنكمل اللي بدأه. الأرض دي… هتفضل تنطق باسمه.”
ثم اقترب منها، وقبّلها…
قبلة هادئة، بعد حربٍ طويلة.
قبلة تحمل شوق السنين، وثقلها، وانتصارها.
قبلة تقول دون كلمات:
لقد وصلنا…
والأرض عادت لأصحابها.
كان النهار يميل إلى الغروب، والقهوة تعجّ بأصوات الرجال وضحكاتهم الثقيلة، حين دخل شاب غريب.
وسيم الملامح، قميصه مفتوح عند الصدر، وسلسلة لامعة تتدلّى، لحيته خفيفة، وعيناه… زائغتان، لا تثبتان على شيء.
تقدّم بخطوات واثقة، وكأن المكان يعرفه منذ زمن:
الشاب: “السلام عليكم يا عم سيد. أنا مدحت… ابن عم سامح بيه. وجاي أفتح معمل تحاليل هنا… في المكسّر. خدمة لأهل الحارة.”
سقطت الشيشة من يد عم سيد، وكأن الاسم وحده أعاد إلى المكان رائحة الخطر.
أما بليه، فلم ينتظر لحظة. اندفع يجري نحو الورشة، وصوته يسبق خطواته:
بليه: “يا معلم! يا معلم! الشيطان رجع بينا تاني! مدحت قريب سامح اللي حكتلنا عنه… على القهوة دلوقت”
داخل الورشة
كان جاسر يعمل، ممسكًا بالمفتاح الإنجليزي، حين وصل الصوت إليه.
توقّف… ثم وضع الأداة ببطء، كأن القرار اتخذ قبل أن يفكر.
نظر إلى غزل.
نظرة واحدة كانت كافية.
فهمت.
ربطت طرحتها بإحكام، واستقامت ملامحها، كأنها تستعد لمعركة تعرفها جيدًا:
غزل: “الراجل دا عمره م يتهد ابدا واهو بيحرك عكاسره حتى وهو ف السجن.”
مدّ جاسر يده، وأمسك بيدها بثبات:
جاسر: “متخافيش. إحنا سوا.
نظرت إليه، وفي عينيها سؤال واضح:
غزل: “طب ناوي على إيه؟”
ارتسمت على شفتيه ابتسامة خفيفة…
ليست ابتسامة فرح، بل ابتسامة معلم يرى الخناقة قادمة، ويعرف أنه جاهز لها.
جاسر: “هنلاعبه… بس بقواعدنا. هو بعت كلب… إحنا هنروّضه. وقدام الحارة كلها.”
خارج الورشة، كانت القهوة ما زالت تضجّ، لكن تحت السطح… شيء تغيّر.
الهدوء لم يعد آمنًا، والذكريات لم تعد بعيدة.
التار الذي ظنّوه انتهى…
لم يكن سوى وجهٍ قديم، عاد بملامحٍ جديدة.
سامح في السجن…
لكن سُمّه ما زال يسري في العروق.
والمكسّر…
على أعتاب حربٍ أخرى.
لكن هذه المرة مختلفة.
هذه المرة…
لم يعد جاسر وغزل وحدهما.
هذه المرة…
معهما حقّ، ومعهما مال،
ومعهما… بعضهما.
كان مدحت كالسُّمّ الذي يتسرّب إلى كوب ماءٍ صافٍ؛ لا يُرى، ولا يُشمّ، لكنه يقتل ببطء.
فتح معمله في قلب الحارة، تحت لافتةٍ كبيرة: “تحاليل المكسّر”، أضواء نيون ساطعة، وإعلان صارخ: خصم 50% لأول 100 زبون.
كل يوم…
يوزّع كروتًا، وابتسامات، ومالا
وكل يوم…
كان يتسلّل أكثر إلى قلب الحارة.
وقف بليه أمامه، يفرك يديه بتوتر:
بليه: “يا دكتور مدحت… الشغلانة دي فيها كام؟”
ابتسم مدحت، وأخرج ورقتين من فئة الألف، دسّهما في جيبه:
مدحت: “ده عربون محبة. عايزك بس… عينك على المخرطة. مين داخل ومين خارج. ولو سمعت كلمة… تبلغني. وأنا هظبطك… هخليك معلم قد الدنيا.”
ابتلع بليه ريقه، نظر إلى المال… ثم إلى الورشة:
بليه: “بس… بس المعلم جاسر… ده صاحب فضل.”
ضحك مدحت باستخفاف:
مدحت: “صاحب فضل؟ ده كان هيدبحك يوم ما وديت الظرف. أنا اللي هنفعك. سامح بيه بيبعت لك السلام… وبيقولك: العب يا بليه.”
تردّد قلب بليه بين الوفاء والخوف…
وبينهما… المال.
داخل الورشة
جلست غزل، تمسك ببطنها، ووجهها شاحب كأن اللون انسحب منه.
لاحظها جاسر فورًا، ألقى بالمفتاح من يده، واقترب:
جاسر: “مالك يا غزل؟ وشك أصفر.”
ابتسمت ابتسامة متعبة:
غزل: “مفيش… تعب شغل بس.”
اقترب أكثر، وضع يده على جبهتها:
جاسر: “سخنة. إنتي من إمتى بتتعبي وتسكتِ؟ يلا على الدكتور.”
أمسكت يده، كأنها توقفه عند لحظة فاصلة:
غزل: “جاسر… أنا… أنا مش عيانة.”
تجمّد قلبه:
جاسر: “أومال؟”
امتلأت عيناها بالدموع، وهمست:
غزل: “أنا… حامل. في شهرين.”
توقّف الزمن.
سكتت المخرطة.
وتجمّد كل من في المكان.
نظر إليها جاسر كأن الكلمات لم تصل بعد:
جاسر: “حامل إنتي؟ شايلة… شايلة ابني أنا في بطنك؟”
هزّت رأسها وهي تبكي:
غزل: “إحنا لسه بنقول يا هادي…”
فجأة…
نزل على ركبتيه أمامها، واحتضن بطنها، وقبّلها وكأنها أغلى ما في الدنيا:
جاسر: “ابني؟ في بطنك إنتي؟ يا رب لك الحمد… يا رب لك الحمد.”
انسابت دموعه…
دموع رجل لم يبكِ منذ موت أبيه.
جاسر: “ده عوض ربنا… ده جنة تانية. أقسم بالله… لأشيلك فوق راسي، ولأحميكم بروحي.”
ركض يونس نحوهما:
يونس: “يعني إيه حامل يا بابا؟”

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!