رقصة على حطام قلب
أمسك مدحت من قفاه، واصطدم به في المخرطة الدائرة.
صرير الحديد ارتفع كوحشٍ يستيقظ.
قرّب وجهه من الترس الدوّار…
حتى شعر مدحت بالموت يلامس جلده.
همس جاسر بصوتٍ منخفض… أخطر من الصراخ:
جاسر: “قول لسيدك… جاسر المخرطة ما بيتهددش في عيلته.”
ثم دفعه أرضًا بقوة.
في لحظة…
كان الضابط قد كبّله.
………
بعد مرور شهور
هدأت الحارة…
كأن سترًا من عند الله نزل عليها فجأة.
المخرطة تعمل كعادتها، صوتها يملأ المكان بالحياة.
غزل في البيت، ترتّب غرفة الطفل القادم.
فاطمة بجوارها، تخيط مفرشًا صغيرًا بيديها المرتعشتين، لكن قلبها مطمئن.
يونس يلعب أمام الورشة، وعطية يراقبه بعينٍ لا تنام.
دخل رجل غريب الحارة…
جلبابه ممزق، لحيته طويلة، وعيناه تزوغان.
إنه رجب
جلس على القهوة، طلب شايًا، لكن عينه لم تفارق يونس.
تقدّم عم سيد نحوه، بشكٍ واضح:
عم سيد: “إنت مين يا بني؟ شكلك مش من هنا.”
ارتشف رجب الشاي بهدوء:
رجب: “غريب… بدوّر على شغل. قالوا لي المكسّر أهل كرم.”
هزّ عم سيد رأسه:
عم سيد: “الكرم لأهله… وإنت عينك مش مريحاني.”
بيت نصار — وقت المغرب
جلست غزل تأكل زيتونة، وفجأة تغيّر وجهها.
نهضت مسرعة نحو الحمام.
طرقت فاطمة الباب بقلق:
فاطمة: “غزل! إنتِ كويسة؟”
خرجت غزل، شاحبة:
غزل: “الواد… شكله بيرفس فاطمة. جاسر لو عرف إنك تعبانة… هيقفل المخرطة ويقعد جنبك.”
في تلك اللحظة، دقّ الباب.
دخل جاسر، يحمل أكياس فاكهة:
جاسر: “جبت لك اللي نفسك فيه… مانجة، وعنب، ورمان… عشان البيبي.”
ابتسمت رغم تعبها:
غزل: “إنت مدلّعني يا جاسر.”
ركع أمامها، وضع أذنه على بطنها:
جاسر: “بكلم ألقمر… إزيك يا حياه أبوكِ جاب لك مانجة… ها؟ مبسوطة؟”
امتلأت عينا غزل بالدموع:
غزل: “مبسوطة… عشان إنت أبوها.”
نهض، وحملها، ودارت بهما الغرفة:
جاسر: “وحشتيني طول اليوم… الورشة من غيرك ضلمة.”
غزل: “وأنا من غيرك ولا حاجة… أنا وولادك روحنا فيك.”
اقترب منها، قبّلها قبلة دافئة، حنونة، مليئة بالخوف عليها:
جاسر: “هانت… كلها ست شهور، وتبقي شايلاها على إيدك. وأنا… شايلكم إنتو التلاتة في قلبي.”
اليوم التالي — أمام المخرطة
كان يونس يلعب بالكرة، فانطلقت نحو رجب.
التقطها، وابتسم:
رجب: “تعالى يا شاطر… خد الكورة… وخد دي كمان.”
أخرج قطعة شوكولاتة.
انتفض عطية كالثور:
عطية: “سيب الواد يا ! إنت مين؟!”
رجب: “وإنت مالك؟ أنا بحب العيال.”
اقترب يونس:
يونس: “عمو… إنت صاحب بابا؟”
ابتسم رجب بخبث:
رجب: “أيوه يا حبيبي… تعال أوريك حاجة حلوة.”
مدّ يده—
صرخ عطية:
عطية: “يا جاســـــــــــر!!!”
خرج جاسر من الورشة…
رأى المشهد…
وفي لحظة—
لم يعد هناك عقل… ولا حساب.
فقط… أب.
انقضّ كالإعصار.
أمسك رجب من رقبته ورفعه عن الأرض:
جاسر: “بتقرب من ابني ليه مين باعتك؟! انطق!”
اختنق رجب وهو يصرخ:
رجب: “سامح! سامح بيه! قالي أخطفه! وأساومك! يا تطلق غزل… يا تستلم الواد ج\ثة!”
اسودّت الدنيا في عيني جاسر.
لكن—
نزلت غزل مسرعة، بطنها تسبقها:
غزل: “جاسر! سيبه للحكومة! يونس كويس خلاص ودا المهم!”
نظر إليها…
ثم إلى يونس الباكي في حضن عطية…
ثم إلى بطنها…
عاد إليه عقله.
ألقى رجب أرضًا…
وسدّد له لكمة كسرت أنفه.
بعد قليل
وصلت الشرطة.
تنفّس جاسر ببطء، لكن عينيه ما زالتا مشتعِلتين:
جاسر: “خليه يعفن… بس اقفل عليه كويس. عشان لو فكر يبص ناحية عيالي… أنا هروح له السجن بنفسي واخلص عليه.”
ليلًا — غرفة النوم
كانت غزل تبكي بلا توقف، ويونس نائم في حضنها.
جلس جاسر بجوارها، يمسك يديها:
غزل: “كان… كان هياخده مني… كان هيحرمني من ابني… .”
نامت على صدره…
ويونس بينهما.
احتضنهما جاسر، كأنه يحميهما من العالم:
يوم الولادة
كان الليل في المكسّر هذه المرة مختلفًا…
لا صرير س\لاح، ولا صفير شرطة، ولا صراخ يمزّق السكون.
كان هناك صوتٌ واحد فقط…
بكاء طفلٍ جديد.
داخل الغرفة، كانت الداية تمسح عرق غزل، وتربّت على جبينها بحنان:
الداية: “يلا يا ست البنات… زقة كمان… خلاص قربتي.”
خارج الباب…
كان جاسر يسير ذهابًا وإيابًا، الجنزير في يده، لكنه هذه المرة ليس س\لاحًا…
بل شيئًا يشغله عن خوفه.
يفركه بين أصابعه، وكأنّه يتمسّك بثباتٍ يوشك أن يضيع.
جلست فاطمة تمسك بالمصحف، تقرأ بصوتٍ مرتعش،
بينما كان يونس على الأرض، يحتضن ملابس أخته التي لم تولد بعد:
يونس: “يلا يا ماما… عايز ألعب مع أختي.”
ثم—
صرخة.
طويلة… مكتومة… تشقّ القلب.
وبعدها…
صرخة أخرى.
صغيرة… حادّة… لكنها مليئة بالحياة.
فُتح الباب.
ظهرت الداية، تضحك وتبكي في آنٍ واحد:
الداية: “مبروك يا معلم… جالك القمر.”
دخل جاسر…
كأن شيئًا يسحبه من قلبه إلى الداخل.
رأى غزل ممدّدة، شعرها ملتصق بوجهها،
مرهقة… لكنها تبتسم.
وفي حضنها…
لفة بيضاء… صغيرة… نابضة.
رفعت عينيها إليه، بصوتٍ مبحوح:
غزل: “تعالى… شيل بنتك يا جاسر.”
اقترب.