ليلى وادهم الثالث
لكنها لم تكن ممن يهربون أمام الصعوبات.
أخرجت دفترها، قسمت العمل إلى مراحل، وبدأت في مراجعة المستندات واحدة تلو الأخرى.
ومع مرور الساعات، اكتشفت أن المهمة أصعب مما توقعت؛ فبعض الأرقام لم تتطابق، وهناك مستندات لم تُرفق بالملف، كما لاحظت وجود اختلافات في تواريخ بعض المعاملات.
لم تتسرع في إصدار الأحكام، بل سجلت كل ملاحظة، وبدأت تبحث عن تفسير منطقي لكل اختلاف.
وعندما اقترب موعد الظهيرة، شعرت بألم في عينيها من شدة التركيز.
رفعت رأسها للحظة، فوجدت زميلة تجلس بالقرب منها وتراقبها بشفقة.
كانت مريم، إحدى الموظفات الشابات في الإدارة، قد بدأت تتقرب منها منذ اليوم الأول.
اقتربت منها مريم وسألتها:
— إنتِ لسه شغالة في الملف ده؟!
ابتسمت ليلى دون أن ترفع عينيها عن الأوراق.
— أهو بنحاول نلحق المطلوب.
جلست مريم بجوارها، ثم قالت هامسة:
— هو الأستاذ أدهم اللي طلب منك تخلصيه النهارده؟
أومأت ليلى.
تنهدت مريم وهي تهز رأسها.
— يا بنتي، ده ملف فريق كامل، مش متدربة لوحدها! هو بيختبرك ولا ناوي يخلص عليكي من أول أسبوع؟
ضحكت ليلى رغم توترها.
— مش عارفة، بس أنا هعمل اللي أقدر عليه، والباقي على ربنا.
تأملتها مريم للحظات، ثم قالت:
— على فكرة، أنا معجبة بثباتك. أي حد غيرك كان اشتكى من أول ساعة.
رفعت ليلى عينيها إليها.
— أنا مش عايزة أخسر الفرصة دي يا مريم. التدريب ده مهم بالنسبة لي، ومحتاجة أتعلم وأثبت نفسي. لكن في نفس الوقت، مش معنى إني محتاجة الفرصة إني أقبل الإهانة.
ابتسمت مريم وربتت على كتفها.
— ربنا يوفقك يا ليلى.
ثم عادت إلى مكتبها، تاركة ليلى تواجه أوراقها من جديد.
في مكتب أدهم…
كانت الساعة تقترب من الثالثة عصرًا، حين دخل سامح حاملًا بعض المستندات.
رفع أدهم رأسه من أمام شاشة الحاسوب.
— خلصت التقرير؟
— لسه يا فندم، لكنها شغالة عليه من الصبح.
قطب أدهم حاجبيه.
— يعني إيه لسه؟ أنا قلت قبل نهاية اليوم.
أجابه سامح بهدوء:
— هي بتراجع كل مستند بنفسها، وده بياخد وقت. وبصراحة، اكتشفت ملاحظات مهمة في الملف.
توقف أدهم عن الكتابة.
— ملاحظات إيه؟
وضع سامح ورقة أمامه.
— فيه اختلافات في بعض القيود، وكمان مستندات ناقصة. آنسة ليلى سجلت كل حاجة، وطلبت مراجعة النسخ الأصلية قبل ما تعتمد أي نتيجة.
أخذ أدهم الورقة وقرأها بعناية.