القاضي المتهم بقلم سيلا وليد
سحبت نفسًا قويًا لتثبط نوبة البكاء التى أخنقت جوفها ، مع ارتجاف شفتيها ..
بابا قتـ,ـل جوزي ياماما ..
ضمت كوثر رأسها تهمس لها ببعض الآيات القرآنية مردفة :
إهدي حبيبتي كله هيعدي إن شاءالله .
مرَّت الساعات كالسيف على الرقاب والكل في حالة ترقب إلى أن استمع الطبيب إلى إنذار الأجهزة ، توقفت والدته تبكي حينما وجدت استنفار من الأطباء باتجاه غرفة العناية..نصبت عودها وتحركت بجسدٍ مرتجف تقف تنظر من الزجاج الشفاف وهم يحاولون إنعاش قلبه..دلفت رهف بساقين هشة تكاد تحملنها إلى أن وصلت إليه..
دنت تهمس باذنه :
بدر فوق علشان خاطري، أنا مسمحاك، أرجوك متعملش فيا كدا ..مرت لحظات وهي تحتضن كفيه ودموعها تنساب كالشلال على وجنتيها، تراجع الطبيب بعدما استمع الى نبضات قلبه مرة أخرى ؛
ضغطه مش مساعد يادكتور..قالتها إحدى الطبيبات ..
أومأ وهو يقترب منه يفحص مؤشراته الحيوية ..بسط كفيه الى رهف :
رهف قومي هيكون كويس صدقيني، دا عادي في العمليات اللي ذي كدا، متنسيش الرصاصة كانت قريبة أوي من منطقة القلب .
تشبست بكف زميلها عندما داهمتها تلك الغمامة تهمس له :
حسن متخبيش عليا حاجة ، هيكون كويس ؟..
تحرك بها بعدما أشار للممرضة :
اهتمي بشغلك وأي تطور بلغيني ..
تمام يادكتور .
خرجت رهف..هرولت ناهد إلى الطبيب :
طمني يادكتور ، بدر عامل إيه ؟..
ابتسم بعملية :
الوضع مستقر يامدام ناهد مفيش قلق .
تنهدت بارتياح وعيناها على رهف التي تحركت بخطى مترنحة حتى كادت أن تسقط ..
وصل ضابط الشرطة للتحقيق ، جلست بوهنٍ شديد وعيناها على والدها الذي توقف أمام الضابط ، وأردف بما حدث .
مرَّت عدة ساعات والوضع كما هو عليه، نهضت مرةً أخرى متجهةً إلى غرفته، وجدت والدتهُ تخرج من عنده .
توقفت ناهد أمامها تمنع دخولها بعدما علمت بما صار:
أنا مش هنكر إني حبيتك بعد جوازك من إبني ، وقتها فيه حاجات كتير رجعت له بعد ماكنت يئست، بس لحد إن أبوكي يرجع ويحاول يق،ـ,ـتله ..فأنا هقفلك حتى لو هو رفض، و النهاردة بس عرفت إن جوازكم غلطة، أنتوا زمان قتـ,ـلتوا هاني مش هستنى لما تموتوا إبنه ،خدي كرهك لابني وامشي ..
مش عايزة الحفيد اللي كنت هموت عليه من واحدة بتكره إبني ..
أغمضت عيناها تشعر وكأنَّ أحدهم يقبض على عنقها ، هزت رأسها ودفعت الباب للدخول :
أول مايفوق هبعد عنكوا، متخافيش..فتحت الباب ودلفت إليه ، خطت إلى أن وصلت إلى جسده المسجَّى ، جلست بجوارهِ ورفعت كفه تحتضنه ثمَّ انحنت تطبع قبلة بباطن كفيه ..
أول شخص قلبي دق له، حبيتك أوي يابدر..أطلقت زفرة قوية خرجت بتألم قلبها وهي تتذكر حياتها المأساوية بعد سفره ..توقفت الكلمات على أعتاب شفتيها للحظات، رفعت كفيها تملس على وجههِ ثمَّ نهضت وطبعت قبلةً مطولة فوق جبينه قائلة :
اطمن عليك وبعد كدا نبعد علشان منكرهش بعض أكتر من كدا، عارفة إنك بتكرهني، ما أنا بنت الراجل اللي قتـ,ـل باباك ، وحاول يقتـ,ـلك كمان ..
احتوت راحتيه وطبعت قبلة بداخلهما
لتستدير كي تغادرَ الغرفة إلا أنه ضغط على كفيها يهمس :
“بحبك”..قالها بصوت خافت متقطع .
انحنت كي تستمع إلى ماقاله، ولكنه ذهب بنومه مرةً أخرى .
ابتسمت حينما استيقظ، وضعت جبينها فوق خاصته وسحبت نفسًا طويلًا مختلطًا بأنفاسه :
أهم حاجة إنك كويس، الحمد لله كنت هموت من الخوف عليك، ألف سلامة عليك .. ظلَّت للحظات على حالتها ثم دنت من شفتيهِ تجذب تنفسه وتقبله ثم اعتدلت وطالعته لبعض اللحظات ثم تحركت للخارج ..وصلت إلى الخارج، توقفت أمام ناهد وأردفت :
بدر فاق ..شوية وهيصحى وينقلوه غرفة تانية ..قالتها واستدارت إلى والدتها :
ماما ياله علشان نمشي .
ألف سلامة على بدر يانهال ..طالعتها متهكمة ثم أشارت إلى رهف :
أتمنى مشفهاش تاني ..تعلقت رهف بكفِّ والدتها وتحركت دون حديث ..ظلت نظراتها عليهما إلى أن اختفوا..دلفت تجلس بجوارِ ابنها لبعض الوقت ، استمعت الى همسه باسمها
مسدت على رأسه بحنان أمومي :
حمد الله على سلامتك حبيبي.. مرَّر لسانهِ على شفتيه وحاول التحدث بصوتٍ متعب :
ره..ف ، فين ؟..
سحبت نفسًا قويًا وظلت على صمتها تطالعه إلى أن دلف الطبيب وقام بفحصه ثم أردف بعملية :
-لااا عال العال..حمد الله على السلامة ياحضرة القاضي .
شكرًا لحضرتك..ظلَّ لبعضِ الوقت إلى أن استعاد وعيه كاملًا ..دلف كريم :
ياااه ياراجل أنا كنت فقدت الامل إنك تصحى تاني .. حمدالله على سلامتك يا صاحبي .
الله يسلمك ..قاطعهم دلوف الضابط المكلف بالقضية :
حمد الله على سلامتك يابدر .
الله يسلمك يا اسامة ..
طبعًا مش محتاج أقولك أنا هنا ليه، بس قبل الشغل كنت عايز اطمن عليك .
أومأ له دون حديث ..
أشار للكاتب المسؤول معه :
جاهز ناخد أقوالك ..هزَّ رأسه وعيناه على كريم :
مفيش قضية اصلًا يااسامة، الأستاذ مالك كان بيوريني المسدس بتاعه ومأخدتش بالي وأنا باخده إنه جاهز على الاطلاق، والرصاصة صابتني .
توسَّعت أعين كريم مدهوشًا، فلقد قصت له رهف عن ما صار، فقاطع حديثه : بدر إيه اللي بتقوله ؟!
استدار بوجهه قائلًا :
إنت كنت معايا وشوفت اللي حصل !!
هزَّ رأسه بالنفي فأردف بدر :
يبقى متدخلش، ثم توجه إلى أسامة :
اللى حصل قولتهولك .
بس كلام مدام رهف غير كدا !!
شعر بنبضاتِ قلبه تتقاذف بين ضلوعه حينما ذكر اسمها ، ذهب بشروده و ابتسامة تسللت عبر شفتيه متذكرًا حديثها ، إلى أن قطع شروده :
ماجاوبتش ، دكتورة رهف مقالتش نفس الكلام !..
حمحم معتذرًا :
دكتورة رهف ماكنتش موجودة دخلت على صوت المسدس واللي شافته أوحى لها غير كدا .
بعد فترة من أسئلة وكيل النيابة خرج وتركه بعد نفي تهمة مالك ، جلس كريم بجواره بدلوف والدته :
ليه نفيت التهمة عن مالك يابدر ؟! هرولت والدته إليه :
طلعت الراجل اللي كان عايز يقـ،,ـتلك يابدر !..وقبل كدا قتـ,ـل باباك .