حافية على جسر عشقي
بتر عبارتها و قد عاد الجمود إلى عيناه الزيتونية الباردة :
– مافيش حاجة .. يلا عشان أروحك ..
– طب وعربيتي ؟
– هخلي السواق يبعتهالك على عنوان شقتك ..
سبقته بخطوات ذاهبة نحو سيارته ، أستقلت المقعد الذي يجاور مقعد السائق ، كما أستقل “ظافر” وراء المقود ، كانت صفحات وجهه لا تفسر ، الغابات الزيتونية بحدقتيه كانت وكأنها تشتعل مصدرة لهباً يحرق الأخضر واليابس ، ذراعيه المشمرتان بقميصه الأسود الأنيق كانا مشدودان على المقود بطريقة مفزعة ، برزت أوردته البنفسجيه بـ رسغيه و كأنه يعاني حرباً نفسياً بداخله ، كل تفاصيله تلك لاحظتها “ملاذ” ، عندها لاحت أبتسامة خبيثة على ثغرها ، فـ خطتها تسير كما المطلوب ، عادت ترسم البراءة على وجهها ببراعة ، عيناها السوداوية تلتمع ببريق ربما مخيف ، بريق الأنتصار الذي لطالما لم ينزاح من حدقتيها ، تحركت السيارة مصدرة صرير عالٍ ، كانت السيارة تسير على سرعة مئة و عشرون ، تجمدت “ملاذ” بكرسيها .. و لأول مرة تشعر بالخوف الذي جعل جسدها بأكمله ينتفض ، هجمت الذكريات السيئة على ذهنها ، تخيلت أن بتلك السرعة أفتعلا والداها حادث أودى بقدم شقيقتها ، رُغم إنها لم تكن بالسيارة في ذلك الحادث و لكنها استطاعت ان تشعر بذلك في تلك السيارة ، بدأت تلك الحقيقة تتجسد أمامها شيئاً فـ شئ ، و بالفعل لاحظت شاحنة ضخمة يصدر منها أبواق الأنوار العالية التي كادت أن تُعمي بصرها ، جحظت عيناها بقوة و قلبها يدق بعنف شديد غطت وجهها بكفها و كأنها تريد أن تختفي من ذلك العالم ، و باللحظة الأخيرة أنحرف “ظافر” بالسيارة ليتنحى بها جانباً ، أهتز صدره علواً و هبوطاً من الذي كاد أن يحدث بهما ، تلك هي الحياة ، فقط ثوانٍ معدودة شعر بهما أن الحياة توقفت ..!!!
التفت لينظر إلى “ملاذ” التي لازالت تخفي وجهها داخل كفيها كالأطفال ، الصمت يسود السيارة سوى أنفاس “ظافر” اللاهثة ، لا يعلم كيف سيتصرف ليمد كفيه يزيح كفيها عن وجهها قائلاً بنبرة لاهثة :
– متخافيش .. مافيش حاجة حصلت ، أنتِ كويسة ؟
أخذت “ملاذ” بعض الدقائق تستوعب بهما ما حدث ، و لكن نبرته الدافئة جعلتها تسند رأسها على كفيها الموضوعتان على فخذيها ، رأسها تميل للأمام لتنساب خصلاتها مسترسلة حول كتفيها ، بنبرة قوية تمتمت :
– روّحني !!!!