الثالث عشر من رواية طعم في يدا أليفة بقلم سيلا وليد
تقدمت نحوه دون أن تبالي بالشظايا تحت قدميها، حتى وصلت إليه، ثم جلست بجواره.. رفع رأسه.
وليتها لم ترَ عينيه…
عينان حمراوان، ودموع حبيسة، وملامح رجلٍ يقاوم انهياره بكل ما أوتي من قوة.
تأملته بصمت، وانقبض قلبها من أجله أكثر مما انقبض على وجعها.
ثم قالت بصوتٍ متهدج:
_أنا مش زعلانة منك.
ظل ينظر إليها، عاجزًا عن الرد.
اقتربت منه قليلًا، ومدت يدها المرتعشة نحو وجهه، ثم همست:
_متحملش نفسك ذنب… إنت مالكش دخل بيه.
ارتجفت عيناه، وأشاح بوجهه عنها، وكأنه لو ظل ينظر إليها لحظةً أخرى، سينهار أمامها تمامًا.
لكنها لم تتركه.. ادارت وجهه اليها
قالت وهي تحاول ابتلاع غصتها:
_نصيب
عاد ينظر إليها، وفي عينيه سؤال موجع، وكأنه لا يفهم كيف يمكنها أن تكون بهذا الهدوء بعدما سرقت حياتها
صمت طويل مرّ بينهما…
كان ينازع نفسه؛ قلبه يريد أن يضمها ويصرخ بأنه لن يتركها، وعقله يطالبه بأن ينقذها منه، حتى لو كان الثمن أن يموت هو كل يوم بعدها.
ابتسمت ابتسامةً مرتعشة وسط دموعها، وقالت:
_طلقني…
بقلم سيلا وليد
تجمدت ملامحه.. فتابعت وعيناها تحاوره بكل نبضا بقلبها له
_كمل زي ما كنت مكمل…سحبت عيناها
واهتز صوتها، لكنها أجبرت نفسها على إكمال الجملة:
_لأنك تستاهل تبقى أسعد راجل في الدنيا.
ظل يحدق بها وكأنها طعنته للتو في أكثر موضعٍ يؤلمه.
اقتربت منه، وهمست والدموع تنساب على خديها:
_متخليش حياتك كلها تتعاقب علشان حاجة إنت معملتهاش… متدفنش عمرك معايا علشان ذنب مش ذنبك.
ارتعشت شفتاها، ثم قالت بصوتٍ يكاد ينكسر:
_أنت غالي أوي، الكلام اللي قولته من وجعي، انت مالكش دعوة، فلو وافقت على الجواز في الاول علشان امي اولا وعلشان بنتك
هزت رأسها، نزلت دموعها بغزارة
كل حاجة منك بحبها ياعبدالرحمن، حتى بنتك اللي جبتها من واحدة تانية
نزلت دموعه بغزارة ينظر اليه، تمنى لو فتح صدره وخبأها من العالم كله، احتضنت وجهه تزيل دموعه العالقة، ورسمت ابتسامة
_وعشان كده عايزاك تعيش.. وتجيب ولاد كتير، وتسمي خديجة كمان
ارتجفت شفتيها وانسابت دموعها
هدعيلك في صلاتي، بس قول يارب ربنا يتقبل مني
كانت تلك الجملة هي الضربة التي لم يستطع صدّها.
أغمض عينيه، وانحنى رأسه، ينظر للأسفل
فأي حبٍ هذا الذي يجعلها تطلب منه الرحيل، وهي أكثر من تتمنى أن يبقى؟
وأي عشقٍ هذا الذي يدفعهما إلى الفراق، بينما كلاهما يعلم أن قلبه لم يتعلم يومًا كيف يعيش دون الآخر؟
_عبدالرحمن…. همست بها
رد بصوت منكسر
_اسكتي ياخديجة، اسكتي مش عايز اسمع حاجة
_هطلقني مش كدا، هطلقني وتكمل حياتك مع مراتك وبنتك
رفع رأسه سريعا ينظر اليها بعيونًا حمراء كالبركان
_انت مراتي وبس، سمعتيني
انحفض صوته حتى لا يزعجها
_مفيش جواز بيني وبين ماسة، انت بس اللي مراتي
وضعت كفيها على ذراعه
_عبدالرحمن، ماتهدمش بيتك علشاني، انا مبقتش انفعك، انا بقايا لست
انحنى ينظر اليها بنظرة ارعبتها وزمجر بنبرة غاضبة
_انت احسن واحدة في الدنيا، انت ست البنات كلها، مسمعش كلمة منك تاني ياخديجة
_مابقتش انفعك
صرخ… اخرسي بقى، مااسمعش صوتك
هبت مبتعدة عنه تضع كفيها على اذنيه
سب نفسه وسحبها لأحضانه
_اسف… اسف.. انت اللي عصبتيني
_عبدالرحمن لو سمحت… خلينا نفترق واحنا بنحب بعض
ضم وجهها ينظر لمقلتيها
_انا مش بحبك ياخديجة علشان نفترق
قربها يضع جبينه فوق جبهتها، يملس على وجهها
_أنا بعشقك، انسي اي حاجة وافتكري انك في حضن حبيبك وبس
رفع رأسه ينظر لعيناها
_مش انا حبيبك ياخديجة
رفعت كفيها على وجهه ونزلت دموعها
_انا بتنفس علشان انت موجود
ضم رأسها يقبل جبينها،
_انا مش هسألك عن حاجة ولا هنتكلم في حاجة، بس أنا عايز خديجة القوية اللي اتعودت عليها
خديجة احنا لازم نساعد بعض
مد يده يرفع خصلاتها من فوق وجهها
_محدش في الكون يقدر يبعدني عنك، ولا انت نفسك، وحقك وحياة وجع قلبي وقلبك لاخده من أي حد حاول بس يفرقنا
_عبد الرحمن..
_خديجة… مش عايز منك غير انك تتمسكي في حقك
اقترب بهدوء حذر ينظر لمقلتيها ويلمس ثغرها بقبلة ناعمة ليرى ردة فعلها
رفع رأسه اليها
_انت حقي من الدنيا دي، ومش هسمح لحد مهما كان هو مين يقرب منه، انا كمان عايز احس انك بدافعي عن حبك، خديجة بلاش تتنازلي عن حقك فيا، انت مراتي وبس، دا اللي اقدر اقوله حاليا، بكرة تعرفي كل حاجة، بس اللي عايزك تتأكدي منه انا مش متجوز غير حبيبتي اللي حبيتها اكتر من عشر سنين
_انت بتقول كدا علشان تخفف عني صح
_لا حبيبتي، أنا بقول كدا علشان دي الحقيقة، ولو باايدي كنت حكت لك كل وجع في قلبي
_ايه اللي واجع قلبك ياعبدالرحمن
_انت ياخديجة، انت اللي واجعة قلبي، قالها ثم نهض قبل أن يزعجها، وانحنى وحملها بين ذراعيه كالطفلة
_يلا علشان ننام، الفجر هيدن
_عبدالرحمن نزلني
لم يرد عليها، وصل الى الغرفة ووضعها فوق الفراش، واتجه الى الحمام واحضر الاسعافات الاولية، جلس أمامها على الارضية وبدأ ينظف جروح قدمــيها
_مش تاخدي بالك من القزاز
نظرت لوجهه الذي افرغت غضبها به
اغمضت عيناها تحاول أن تنسى ماحدث
نهض واتجه الى الحمام، بينما هي تحركت الى غرفة الملابس لتبدل ثيابها
استمعت الى رنين هاتفه، التقطته تنظر بالمتصل، ثم نظرت بالساعة التي تخطت الثالثة فجرًا
ارتفعت انفاسها، ولم تشعر سوى وهي تفتح المكالمة
_عبدالرحمن، البنت سخنة وعايزة دكتور دكتور، انا معرفش حد
_عبدالرحمن في الحمام، بياخد شاور لما يخرج
_انت ازاي تردي علي
اغلقت الهاتف.. وألقته ثم جلست تضع رأسها فوق ركبتيها
خرج من الحمام وهو يجفف خصلاته
نظر لبيجامتها التي ابدلتها، توقف للحظات يتابع عيناها الشاردة ووجهها المنتفخ بالبكاء
شعرت به، رفعت راسها وقالت
_مراتك اتصلت بيك وانت في بيت مراتك التانية وتقولك بنتك تعبانة، يلا اجري عليها
انا مش عايزاك اصلا، جاي عندي ليه
زفر باختناق لقد تحولت بدقائق
_نامي حبيبتي ربنا يهديكي
اعتدلت واشارت الى الباب
_اطلع روح لها
ألقى المشفة بغضب، ورمقها بنظرة صامتة
ثم سحب هاتفه وتحرك للخارج
خرج وأغلق الباب، راقبته وهي تتمنى ألا يسمع كلامها، ويتمسك بها، ويطمئن قلبها مثلما قال
استمعت الى صوت السيارة تغادر، تمددت فوق الفراش، تحتضن نفسها ونزلت دموعها بصمت
عند عبدالرحمن
توقف امام البحر، نزل من السيارة، يريد أن يتنفس فقط، يريد ان يشعر أنه على قيد الحياة
ظل يحدق في البحر للحظات، وارتفعت انفاسه كلما تذكر حالاتها
رفع هاتفه
_جيداء… اسف بتصل دلوقتي، عايزك بكرة في المكتب ضروري
_حاضر
جلس على الصخرة ومازال صدره كالموجة البحر الهائجة، لم يرى سوى جروحها، ولم يسمع سوى بكاؤها
رفع هاتفه مرة اخرى وقام بمهاتفة شخصًا ما… لحظات وقام بالرد
_ازيك يامريم
_مين
_أنا عبدالرحمن، ابن عمتك
_اوووه… حبيبي السابق
_ايوة بالظبط
_واحشني يابودي عامل ايه، عرفت انك رجعت مصر، يابني قولت لك مفيش احسن USA
بعدين نشوف الموضوع دا، المهم محتاجك في موضوع مهم، فاضية، انا عارف فرق التوقيت بينا انك فاضية
_والله يابودي داخلة محاضرة دلوقتي، ممكن نتكلم بعد المحاضرة، الساعة عندك على مااظن تخطت الواحدة
_خلصي واتصلي، هستناكي
_اوكيه، باي حبيبي السابق
قالتها واغلقت الهاتف بينما هو ظل جالسًا للحظات ثم اتجه لسيارته وعاد اليها مرة اخرى
عند ماسة
خرج الطبيب من غرفة سيليا، بعدما احضره احد امن عبدالرحمن
_نزلة شعبية حادة، تقلب الجو، تاخد العلاج باانتظام وان شاءلله تتحسن
قالها الطبيب ببساطة وخرج
راقبته ماسة بذهول
_معقول دا دكتور، دا لو دكتور حيوان هيهتم اكتر من كدا
_يامدام قالك بسيطة، هنزل اجيب الدوا
_اتصل باللي مشغلك، يجي يشوف البنت
قالتها ودخلت تغلق الباب خلفها بعنف
عاد عبدالرحمن الى منزله، دلف للمنزل، ثم اتجه الى غرفة مكتبه
جلس على المكتب لدقائق، ومازال عقله لم يستوعب ماحدث، نهض وتحرك للنافذة، يختنق كأن الغرفة ضيقة كالقبر
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
بقلم سيلا وليد
صعد بعد قليل الى غرفتهما
توقف امام الفراش يسبح بعيناه عليها، ثم انحنى وقبل جبينها، وهمس
_وحياة كل دقة قلب لأخليه يزحف زي الكلب وافضحه في اسكندرية كلها
اتجه للحمام لدقائق معدودة ثم خرج، بعدما ابدل ثيابه واحضر كريم مرطب،لجروحها التي فعلتها بنفسها، ولكن كيف لك ايها العاشق ان تمحي ندوب قلبها من جراح الماضي، فهناك جروح لاتستطيع ادوية العالم ازالتها، وقف للحظات، وعاد لغرفة الملابس، سحب قميصًا من قمصانها بعشوائية
_لازم تفوقي ياخديجة من الماضي، وماتحسيش انك مشوهة، لازم تتعاملي معايا على اني جوزك وحبيبك
جلس على الفراش ينظر لنومها، ثم الى القميص الذي بيده، وضعه بهدوء، وقد عزم الامر، قام بفتح زراير بيجامتها بهدوء حذر، حتى لا يوقظها، رفعها فوق صدره، فتحت عيناها وهمست باسمه، انحنى يهمس لها بكلمات عاشقة، الى أن نزع القطعة العلوية والبسها ذاك القميص المكشوف، ووضعها بهدوء فوق الوسادة ومازال كلماته العاشقة تهمس بأذنها، دثرها بالغطاء وابتسم
وهو يمد يده، افلت ضحكة رغما عنه
وهي تحرك ساقيها، ابتعد قليلا
_بتعومي وانت نايمة
مسد على خصلاتها وراقبها بعيونا لامعة بالعشق
ثم القى بنطال بيجامتها
_لقد تمت المهمة بنجاح ياروحي، خليكي مستغطية، انا بقولك اهو، اصل الشيطان صاحبي
قالها وهو يضع رأسها بصدرها يضحك على ماستفعله بالصباح
تمدد بجوارها، ولكنه توقف، ونزع كنزته، وألقاها
_خليها تخرب مرة واحدة ياخديجتي
شوفتي بعد الليلة دي، خلعتك هدومك علشان الصبح ابقى في صفحة شهيد الحب
صمت ونظر اليها، ورغم مانطقه ومزاحه، الا أنه يشعر بنيران تأكل كل شيئا به
يريد أن ينام حتى ينسى أو يتناسى مع علمه
جذبها لأحضانه، وأغلق عيناه، لم يعد يريد شيئا سوى هذا فقط
بعد ساعات
تململ بنومه على رنين هاتفه، سحبه وهو مازال بين النوم واليقظة
_صباح الخير ياعبدالرحمن
_صباح النور
_ببلغك فيه اجتماع لجميع المساهمين في الشركة
_وأنا مالي، انا انسحبت من سنة
_لا عندي اوراق بتثبت انك ومدام ماسة لازم تكونوا موجودين
اعتدل يستمع اليه
_اوراق ايه، انا بقولك ماليش علاقة بالشركة الام، ماسة تحضر انا مش هحضر
_عبدالرحمن لازم تحضر، لازم، وكمان مراد وغسان هيكونوا موجودين
_هو مراد خرج
_هيخرج بكرة بإذن الله، انا حقيقي بتشكرك على كل اللي عملته، نهض من فوق الفراش بعدما وضع رأسها على الوسادة وتحرك للشرفة
_مراد خرج ازاي مش المفروض لسة سنة
_بعدين نتكلم في الموضوع دا، متقلقش من مراد
مسح على شعره وتنفس بغضب
_وسيليا يافؤاد، ازاي ماقلقش
_انا بقولك متقلقش، انا عامل حساب كل حاجة، مش هيقدر يعمل حاجة، ماسة كانت عنده من فترة
_عرفت… وماسة شكلها عرفت حاجة، لأنها بتهددني بغسان
_ماسة رجعت لحالتها الطبيعية خد بالك، ومتنساش انها ذكية
شرد بحديثه ثم قال
_معقول كانت عارفة من الأول
_مااظنش، مكنتش فضلت معاك دا كله، وانت عارف دا كويس
_تمام… هحضر الاجتماع، عايزك تقنع مريم تنزل مصر، محتاجها ضروري
_مريم… ليه
_عايزها.. مش هثق في حد غيرها
_فيه حاجة ولا ايه، مااظنش هتوافق، هي مبتحبش مصر اصلا
_انا كلمتها من ساعات وقالت عندها محاضرة ولما تخلص هتكلمني، ولسة لحد دلوقتي بتكلمني
ضحك الاخر وقال
_اصلها عرفت انك اتجوزت التانية
تأفف عبدالرحمن
_اه يااخويا، وترجع تقول سبتني للمرة التالتة ياعبودي
ارتفعت ضحكات فؤاد
_والله وحشنا جنانا مع بعض، هقولها
مسح على شعره وقال
_لازم اتحمل رخماتها بس محتاجها فعلا، مش هآمن لحد مع خديجة غيرها
شهق الاخر
_انت جايب ضرتك مع مراتك، الله يخيبك عبودي
اغلق الهاتف وهو يضحك، واستدار للداخل، نظر للتي مازالت غافية، جلس على طرف الفراش، يداعب شعرها، واقسم أن ينسيها ماحدث بليلة الامس، لابد أن تمحوها من الذاكرة للأبد
اعتدل يتمدد بجوارها، وسحبها لاحضانه، تململت متأوهة، لحظات وفتحت عيناها بعدما تسللت رائحته لرئتيها، اغلق عيناه وتصنع النوم، حاولت الابتعاد، ولكنه كان محاوطه بذراعيه بقوة
نظرت لوجهه تبعد رأسها، بعدما تنفست أنفاسه، تذكرت ليلة امس ومافعله
دفعت ذراعيه
_وسع كدا، لازق فيا كدا ليه
فتح عين ينظر اليها
_اصطبحي على الصبح ونامي علشان ماقومش واعرفك اللازقة بجد
دفعته بغضب تصرخ به
_لا قوم… مفكرني هخاف منك، نايم هنا ليه، يلا روح للزفتة بتعتك
سحبها من شعرها الى صدره، وحاوطها بجسده، صرخت وحاولت دفعه
_مش هسيبك لما تقولي صباح الخير ياحبيبي
رفعت كفيها تمزق وجهه بأظافرها
ارتفعت ضحكاته ورفع رأسها
_خربشي حلو اكتر ماهو متخربش، علشان اعاند ماسة
اعتدلت تلكمه بقبضته
_ااه يابن… فجأة توقفت على ماترتديه، قميصًا اسود قصير، ظلت تنظر لنفسها، تتذكر ارتدائها لبيجامتها
رفعت عيناها للاخر الذي تمدد على الفراش
قاطعتيني وانا بقول اذكار الصباح في منامي
_انا… انا كنت لابسة بيجاما، مين لابسني كدا
رفع عيناه اليها
_انا مالي بتسأليني ليه
قطبت جبينها تحاول ان تتذكر، هزت رأسها
_انا متأكدة كنت لابسة بيجاما و
صمتت فجأة حين رفع بنطلون البيجاما
_قصدك دي
قاطعهم طرقات الخادمة
_عبدالرحمن بيه، ماسة هانم اتصلت بيك كتير وحضرتك ماردتش، بتقول لحضرتك
ان سيليا هانم اتحجزت في المستشفى
هب من مكانه سريعا يلتقط هاتفه
_انت فين
_البنت بتموت ياعبدالرحمن