السادس عشر من طُعم في يدا أليفة بقلم سيلا وليد
_ أنا عارفة يا قلب أمك، عارفة إنك بتحبيه، وعارفة إن الموضوع واجعك، بس اهدي وفوّضي أمرك لربنا. مفيش وجع بيفضل للأبد، وربنا قادر يجبر بخاطرك جبر ينسّيكي كل اللي شوفتيه.
مسحت خديجة دموعها بكف مرتجف، ثم همست بصوتٍ خافت:
_ ادعيلي يا ماما… ادعيلي قلبي يبطل يحبه، علشان أنا مش قادرة أعيش وأنا كل يوم بخسر نفسي عشانه.
لم تجد فاتن ما تقوله؛ ضمتها إلى صدرها، وبدأت تقرأ ما تيسر من القرآن بصوت هادئ، تمسح على شعرها بين الحين والآخر، حتى هدأت شهقاتها تدريجيًا، وأثقل النعاس جفنيها، لتغفو خديجة بين ذراعي أمها، بينما ظلت فاتن تحتضنها وتدعو الله أن يبدل وجعها طمأنينة.
في الخارج، وقفت العاملة المنزلية خلف الباب للحظات، وقد وصل إلى مسامعها بكاء خديجة وكلماتها الموجعة. ترددت قبل أن تبتعد، لكنها لم تستطع تجاهل ما سمعته، فأخرجت هاتفها واتصلت بعبدالرحمن.
ما إن أجابها حتى قالت بصوتٍ متردد:
_ ألو يا بشمهندس، آسفة إني بزعج حضرتك، بس مدام خديجة تعبانة أوي، ومن ساعة وهي بتعيط.
اعتدل عبدالرحمن في جلسته، وانقبض قلبه قلقًا.
_ مالها؟ حصل لها حاجة؟ هي كويسة؟
_ هي عند طنط فاتن، بس أنا سمعتها بتقول إنها مش قادرة تستحمل وجود مدام ماسة في حياتك، وإنها عايزاك تطلقها علشان ترتاح من العذاب ده.
أغلق عبدالرحمن الهاتف، وألقى نظرة أخيرة على ماسة التي استسلمت للنوم بعد أن هدأت، ثم التقط جاكيت بدلته وغادر الغرفة بهدوء.
توقف أمام المربية، وقال بنبرة جادة:
_ خلي بالك من المدام وسيليا، ولو حصل أي جديد، كلميني فورًا.
_ تحت أمرك يا بشمهندس.
لم ينتظر أكثر، بل أسرع بخطواته إلى الخارج، وكأن قلبه سبقه إلى خديجته، تلك التي تركها خلفه مطمئنًا إلى أنها ستتفهم غيابه، ولم يدرك أن غيابه كان يفتت ما تبقى من طمأنينتها.
أغلق الهاتف، ثم أسرع إلى الداخل، وصعد إلى غرفة فاتن. طرق الباب طرقات خفيفة، قبل أن يدلف بهدوء، فتعلقت عيناه بخديجة النائمة فوق ساق والدتها، وملامحها الشاحبة لا تزال تحمل آثار بكائها.
توقف مكانه، وشعر بوخزة حادة في صدره.
_ آسف يا خالتي، تعبتك معايا.
رفعت فاتن عينيها إليه، ثم هزّت رأسها برفق.
_ لا يا ابني، مفيش آسف. ماسة كويسة؟
_ آه، الحمد لله.
اقترب من خديجة وانحنى يحملها بحذر، فاضطربت أنفاسها قليلًا، وفتحت عينيها للحظة. همست باسمه بصوت خافت، ثم أغمضتهما مجددًا، مستسلمة بين ذراعيه.