السادس عشر من طُعم في يدا أليفة بقلم سيلا وليد
أنا مش عايزة أبقى كده يا ماما، مش عايزة أفضل كل ليلة أحارب نفسي وأقنعها إني مراته وإنه بيحبني. أنا تعبت من إني أفضل خايفة أخسره، وتعبت أكتر من إني أحس إني ممكن أخسره وهو لسه معايا.
تنهدت فاتن بحزن، ثم انحنت تقبل جبينها.
_ بس هو بيحبك يا خديجة، وطول الوقت بيحاول يطمنك، وإنتِ بنفسك عارفة إنه متمسك بيكي.
فتحت خديجة عينيها، وحدقت في وجه أمها بألم، ثم اعتدلت جالسة أمامها.
_ ماما، أنا قلبي بيتحرق! إنتِ فاهمة يعني إيه أبقى قاعدة في أوضتي، وأبص على المكان اللي المفروض يكون فيه، وأفتكر إنه اختار يبات بعيد عني؟ إنتِ فاهمة يعني إيه أبقى مراته، ومع ذلك أحس إني مش مراته لوحدي؟
ارتجف صوتها، وانكسرت الكلمات بين شفتيها.
أنا مش عايزة أفضل أستنى دوري في حياته يا ماما، مش عايزة كل ما أحتاجه ألاقي نفسي مضطرة أستوعب إن في حد تاني محتاجه قبلي. أنا عايزاه ليا، عايزاه يرجع لي، عايزاه يحسسني إني بيته اللي بيرجع له، مش واحدة بتستناه لحد ما يخلص حياته هناك وييجي لها!
لم تجد فاتن ما تقوله. كانت ترى الوجع في عيني ابنتها، وتسمع في صوتها أنين قلب يحاول التشبث بحبه، بينما يسحبه الخوف نحو الهاوية.
مدت فاتن يدها لتحتضنها، لكن خديجة ابتعدت قليلًا، وهزت رأسها وهي تحاول حبس شهقاتها.
_ أنا مش قادرة يا ماما… والله مش قادرة.
خرجت منها الكلمات التي ظلت تخشاها طوال الوقت:
_ خليه يطلقني وأرتاح من العذاب ده. أنا مش عايزة أفضل كده، مش عايزة أفضل أحبه بالشكل ده وأتوجع كل يوم. يمكن لو بعدت عنه، قلبي يهدى، يمكن أعرف أعيش من غير ما أفضل مستنية منه حاجة تكسرني.
اقتربت فاتن منها واحتضنتها، تمسح دموعها بحنان، بينما همست خديجة بصوتٍ منكسر:
_ أنا مش عايزة أكرهه يا ماما، أنا بحبه… بحبه لدرجة إني بقيت بكره نفسي على ضعفي قدامه. كل مرة بيطمني، بصدقه، وكل مرة بيسيبني وبيروح لها، بحس إني ولا حاجة في حياته.
أغمضت عينيها، ودفنت وجهها في صدر أمها، ثم أجهشت بالبكاء.
_ أنا تعبت يا ماما… عايزة أعيش من غير الوجع ده، عايزة أصحى من النوم من غير ما أخاف إنه يسيبني ويمشي لواحدة تانية. خليه يطلقني وأرتاح من العذاب ده.
شدّتها فاتن إلى صدرها أكثر، وقلبها يعتصر ألمًا على ابنتها التي لم ترَ منها يومًا سوى القوة، حتى جاء الحب وانتزع منها قدرتها على الاحتمال.
_ يا حبيبتي، اهدي بس، متقوليش الكلام ده وإنتِ بالحالة دي. هو كل ليلة معاكي، إيه يعني لما يبات ليلة مع بنته علشان ماسة تعبانة؟ هو مش سايبك ولا ناسيكي.
لكن خديجة انتفضت بين ذراعيها، وكأن كلمات أمها زادت جرحها عمقًا، ورفعت وجهها المبلل بالدموع، تهز رأسها بألم.
_ بس أنا مش قادرة أشاركه مع واحدة تانية يا ماما… مش قادرة!