له إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين " في بعضِ الحكايات، لا تأتي الضربةُ القاتلة من عدوٍّ نعرفه، بل من حقيقةٍ نجهلها، أو ماضٍ ظننّاه انتهى، فإذا به ينهض من بين الرماد ليُشعل كلَّ ما حاولنا إنقاذه. هناك، حيث تتشابك النظرات وتُخفى النوايا خلف ابتساماتٍ هادئة، قد تكون كلمةٌ واحدة كافيةً لإسقاط أقنعةٍ صمدت طويلًا، وقد يتحوّل مشهدٌ عابر إلى بداية حربٍ لا يعرف أحدٌ كيف ستنتهي. لكن ماذا لو كان الغموضُ الذي يحيط بأحدهم أعمق مما يبدو؟ وماذا لو أنَّ اليد التي امتدّت لتواسي قلبًا مكسورًا، كانت تحمل في طيّاتها سرًّا قادرًا على تحطيم قلوبٍ أخرى؟ في تلك الليلة، لم يكن أحدٌ يدرك أنَّ ما سيحدث بعد لحظات لن يترك شيئًا كما كان... وأنَّ أخطر الأسرار لا تُكشف حين نتكلّم، بل حين تقع أعيننا على ما لم يكن ينبغي لنا أن نراه! لم تمر سوى لحظات حتى أصبح أمامه، التقط المنديل من يد غسان، ثم قال ببرودٍ مخيف: _ شكرًا يا غسان. ألقى المنديل أرضًا، وداس عليه بحذائه أمام أعين الجميع، في إهانةٍ لم تكن بحاجة إلى تفسير. ثم انحنى نحوه، حتى لم يعد يفصل بينهما سوى أنفاسٍ مشحونة بالغضب، وهمس بجوار أذنه بصوتٍ خفيض، لكنه حمل من التهديد ما يكفي لإشعال حرب: _ إياك... إياك تفكر إن خديجة زي ماسة، دي برّه أي مقارنة يا غسان. دي لو الدنيا كلها وقفت قصادها، أحرق علشانها الأخضر واليابس، فاهم؟! اعتدل في وقفته، وألقى نظرة أخيرة على غسان، ثم استدار نحو خديجة التي كانت تراقب ما يحدث بصمتٍ. مد يده إليها، وما إن وضعت يدها في يده حتى جذبها برفقٍ حاسم، وتحرك بها مبتعدًا عن الجميع، دون أن يلتفت خلفه. لم يكن غاضبًا من غسان وحده، بل كان يغلي من الداخل، يحاول جاهدًا أن يُبقي ما تبقى من سيطرته على نفسه، بينما تتصارع في رأسه أفكارٌ لا تهدأ. وصل بها إلى السيارة، وفتح لها الباب، و قلبه جمرةً ملتهبة، تحرق صدره بصمتٍ قاتل، كلما تذكر نظرات غسان اليها، ومع ذلك حاول أن يبدو هادئًا أمامها. تمنى لو أنها تصمت طوال الطريق، لا لأنه لا يريد سماع صوتها، بل لأنه كان يخشى أن تنطق بكلمةٍ واحدة تُفلت معها كل الوحوش المحبوسة داخله، فيؤذيها باندفاعه دون أن يقصد. صعدت خديجة إلى السيارة دون أن تنطق بحرف، وجلست إلى جواره، تضم يديها إلى بعضهما في حجرها، وتحدق أمامها بعينين غائبتين. انطلق بالسيارة، وبعد دقائق قليلة، كانت ملامحه قد ازدادت تجهمًا، وعروق عنقه تنتفض بوضوح، بينما تقبض يداه على عجلة القيادة بقوة. من يراه في تلك اللحظة لظن أنه على وشك الدخول في حرب ضارية رن هاتفه، فالتقطه وأجاب بحدة: _ أيوه! أتاه صوت فؤاد من الطرف الآخر، غاضبًا ومستنكرًا: _ إنت اتجننت يا عبدالرحمن؟! إزاي تمشي بالطريقة دي؟ الصحافة كلها هنا، والناس مش سايبة الشركة! _ تولع الصحافة، وتولع الشركة، ويولع الكل! بقولك إيه يا فؤاد، أنا سلّمت كل حاجة لغسان، ابعدوا عن دماغي بقى! _ طيب ممكن تهدى ونفهم إيه اللي حصل؟ ضرب عبدالرحمن المقود بكفه، حتى انتفضت خديجة في مقعدها، ثم صاح بصوتٍ أجش: _ متقولش الكلمة دي! بتعصبني! قوله يبعد عني، فاهمني؟ متخليهوش يقرب مني يا فؤاد! اجابه فؤاد بنبرةٍ أكثر هدوءًا: _ تمام، اللي إنت عايزه هيحصل. بس برضه مكنش ينفع تصغّرنا بالشكل ده قدام الناس. أنهى عبدالرحمن المكالمة دون رد، وألقى الهاتف ، ثم ضغط على دواسة الوقود بقوة، فانطلقت السيارة بسرعةٍ جعلت خديجة تتشبث بطرف مقعدها. كانت تراقبه من طرف عينها، وقلبها يئن بصمتٍ حارق. لم تعد تعرف أيهما يؤلمها أكثر؛ قسوته التي تظهر حين يغضب، أم ذلك الحب الذي يعلنه لها في لحظاتٍ، ثم يجعلها تشعر بأنها غريبة عنه في لحظاتٍ أخرى. وفجأة، التفت إليها، وكأن صمتها الذي طال صار أشد استفزازًا له من أي كلام. _ كان بيقولك إيه؟ وإزاي سمحتي لنفسك تقعدي معاه أصلًا؟! أنا مش قولتلك متديهوش فرصة يتكلم معاكي؟! لم تجبه. ظلت تنظر إليه بصمت، لا تعاتبه ولا تدافع عن نفسها، ولم تنطق حتى بكلمةٍ واحدة. كانت نظراتها وحدها كافيةً لتجعله يشعر بأنه يقف أمام قاضٍ يعرف كل جرائمه، ولا يحتاج إلى سماع اعترافه. حاول أن يقرأ ما وراء عينيها، لكنه لم يجد سوى تعبٍ عميق، ووجعٍ لم يعد يملك القدرة على إخفائه. ومع ذلك، لم يستطع التراجع عن غضبه، وكأن كبرياءه كان أقوى من قدرته على احتواء المرأة التي يحبها. ضغط على المكابح فجأة، فتوقفت السيارة بعنف، ودوّى صرير الإطارات في الطريق، حتى اهتز جسد خديجة إلى الأمام. أغمضت عينيها بفزع، وانسابت دمعة ساخنة فوق وجنتها. لم تكن ضعيفة، ولم تكن يومًا ممن يسكتون على الإهانة، لكنها أُرهقت. أرهقتها الحياة بما يكفي، وأتعبها أن تظل طوال الوقت مطالبةً بالدفاع عن نفسها، وتبرير مشاعرها، وإثبات أنها تستحق معاملةً لا تُجرح فيها كرامتها. لم يعد لديها ما يكفي من القوة لتدخل معركةً جديدة مع رجلٍ أحبته حتى نسيت، في غمرة حبها، أن تحمي قلبها منه. _ خديجة... خرج اسمها من بين شفتيه هامسًا، وهو ينظر أمامه، وأنفاسه تتلاحق كأنما قطع للتو مسافةً طويلةً في سباقٍ مرهق. مرر يده فوق وجهه، محاولًا استعادة هدوئه، ثم قال بصوتٍ أقل حدة: _ أنا عارف إنك مضايقة مني، وإن قلبك محروق كمان، بس أنا مجبور أكون قدام الكل بالشكل ده. إنتِ مش فاهمة اللي بيحصل، ولا عارفة أنا بتعامل مع مين. التفت إليها، منتظرًا أن تنظر إليه، أن تسأله، أن تمنحه فرصةً يشرح فيها ما يعجز عن قوله. لكنها ظلت تنظر أمامها، وكأن كلماته لم تعد قادرةً على الوصول إليها. ابتلع غصته، ثم مد يده نحوها، وتوقف قبل أن يلمس أصابعها. _ بحبك يا خديجة... والله بحبك. وعندك، ممكن أقلب الدنيا كلها. مش عايز حد يقرب منك، ولا عايز حد يفكر حتى إنه يزعلك. التفتت إليه أخيرًا. نظرت في عينيه طويلًا، وكأنها تحاول أن تتذكر الرجل الذي أحبته، الرجل الذي كانت تظن أن حضنه وطنها، وأن قربه أمانها، وأنها مهما واجهت من قسوة العالم ستجد عنده ما يعوضها عنها. لكنها لم تجد في داخلها سوى إرهاقٍ أكبر من أن تتحمله. قالت بصوتٍ هادئ، هدوءٍ أخافه أكثر من صراخها: _ روحني يا عبدالرحمن. أنا تعبانة وعايزة أرتاح. انعقد حاجباه، وراقبها وهي تعود بنظرها إلى الطريق. _ خديجة، أنا بكلمك! _ وأنا سمعتك. _ أمال ساكتة ليه؟! أغمضت عينيها للحظة، ثم فتحتهما، وقد تسللت إلى صوتها مرارةٌ لم تستطع إخفاءها. _ علشان مبقتش مستنية حاجة من الحياة يا عبدالرحمن. كل الأيام بقت شبه بعضها، وكل مرة بقول لنفسي إن بكرة هيكون أحسن، ألاقي نفسي بوجع جديد. وكل الرجالة، في الآخر، أهم حاجة عندهم نفسهم، حتى لو كسروا قلوب اللي بتحبهم. المهم يفضلوا قدام الكل رجالة، والكل يعمل لهم ألف حساب! التفت إليها بحدة. _ أنا مش كده! ضحكت ضحكةً باهتة، خاليةً من أي فرح، ثم استدارت نحوه بكامل جسدها. _ إنت أول واحد كده يا عبدالرحمن. أناني، ومبتفكرش غير في نفسك! المهم إنت تبقى مرتاح، وتفضل صورتك قدام الناس زي ما إنت عايزها. إنما الباقي يولع، إن كنت أنا، ولا ماسة، ولا حتى بنتك! المهم عبدالرحمن بيه يبقى مبسوط، والكل يخاف منه ويعمل له ألف حساب! تغيرت ملامحه، وكأنه تلقى صفعةً لم يتوقعها، لكنه لم يقاطعها. كانت تلك المرة الأولى التي يسمعها تتحدث إليه بهذه القسوة، لا لأنها تريد أن تؤذيه، بل لأنها لم تعد تملك ما تخسره إن قالت الحقيقة. اعتدلت في جلستها، وأشارت إلى الطريق بيدٍ مرتجفة. _ روحني. عايزة أروح لأمي. ثم ابتلعت غصةً موجعة، وأكملت وهي تحاول أن تمنع صوتها من الانكسار: _ أنا غلطانة من الأول، إني جيت معاك، وإني صدقت إنك ممكن تحسسني إني مهمة عندك. لو كنت أعرف إنك هترميني زي الكلبة، وكل واحد يشدني من ناحية، مكنتش جيت معاك من الأساس يا أبو الشهامة والرجولة! توقف لسانها للحظة، بينما ارتجفت شفتاها، ثم أطلقت زفرةً متعبة، وأردفت بنبرةٍ ساخرة، تخفي خلفها جرحًا غائرًا: _ بس ملحوقة يا بيه. متخلقش اللي يكسرني! استدارت نحو النافذة، ومسحت دموعها بعنف، ثم قالت بصوتٍ خافت: _ أنا مش هنكر إني اتكسرت قبل كده على إيد واحد مريض، بس على الأقل كنت عارفة إنه مريض، وعارفة إني لازم أحمي نفسي منه. إنما لما اللي يكسرك يبقى حبيبك... لما الشخص اللي بتجري عليه علشان يطبطب على قلبك هو نفسه اللي بيوجعك... دي بقى اللي صعبة شوية يا عبدالرحمن بيه ظل ينظر إليها، وقد اختفت من وجهه ملامح الغضب تدريجيًا، وحل محلها شيءٌ آخر؛ وجعٌ صامت، وعجزٌ لم يعتد الشعور به. كان يستطيع أن يواجه غسان، وأن يخرسه للابد، وأن يضع كل من يتحداه عند حدّه، لكنه الآن لم يعرف كيف يدافع عن نفسه أمام دمعةٍ في عيني خديجة. لم يعرف كيف يخبرها بأنه لا يريد إيذاءها، أدار وجهه إلى الأمام، وأعاد تشغيل المحرك، ثم انطلق بالسيارة بهدوءٍ هذه المرة. مد ذراعه وجذبها نحوه، فاستقرت إلى جواره رغمًا عنها، وطوّق كتفيها بذراعه، ثم انحنى وقبّل رأسها قبلةً طويلة، كأنه يعتذر إليها عن كل ما عجز عن الاعتذار عنه بالكلمات. لم تقاومه، لكنها لم تتشبث به كما اعتادت، ولم ترفع وجهها إليه. ظلت ساكنةً بين ذراعيه، وعيناها معلقتان بالطريق، وكأن جسدها استسلم لقربه بينما بقي قلبها واقفًا على مسافةٍ بعيدة. همس بجوار رأسها: _ مش هرد عليكي دلوقتي، علشان إنتِ عندك حق في حاجات كتير، وأنا مش عايز أقول كلمة وأنا متعصب فأوجعك أكتر. صمت قليلًا، ثم شد ذراعه حولها برفق، وانخفض صوته حتى صار أقرب إلى الرجاء: _ بس نفسي تعرفي إنتِ بتكوني إيه عندي يا خديجة... نفسي تعرفي إنك مش مجرد مراتي، ولا واحدة في حياتي أقدر أستغنى عنها. إنتِ... قاطعته بصوتٍ خافت، لم تلتفت معه إليه: _ ولا حاجة. توقفت الكلمات على طرف لسانه. أعادتها هذه المرة بوضوحٍ أشد، وكأنها تحاول إقناع نفسها قبل أن تقنعه: _ أنا ولا حاجة يا عبدالرحمن. قبض فكه، وانقبض قلبه بقسوة، بينما راحت عيناه تتنقلان بين الطريق وملامحها التي لم تعد تمنحه حتى فرصةً لقراءة ما يدور داخلها. أراد أن يجبرها على النظر إليه، أن يجعلها تسمع ما في قلبه، أن يهزها حتى تصدق أنه يحبها أكثر مما تتخيل، لكنه أدرك أن كل ذلك لن يكون سوى محاولةٍ جديدة لفرض مشاعره عليها، كحاله معها داىمًا فالتزم الصمت. واصل القيادة، وذراعه تحيط بها، بينما هي تضع رأسها على صدره موضع نبضه،مغمضة العينين تشعر بكل نبضة تحارب داخله سحبها أكثر اليه ووضع رأسه على رأسها وهو يتابع القيادة، خشيت أن لا يركز بطريقه، صمته جعلها تعتدل _عايزة اسأل سؤال وحسسني مرة اني مراتك وبتحبها زي مابتقول نظر اليها بصمت منتظر سؤالها _انت وغسان كنتوا صحاب، صحاب لدرجة تحكي له اللي بينا، صحاب لدرجة تقوله تني فضلت عليك راجل تاني، طيب ليه بقيتوا كدا اوقف السيارة واستدار اليها بجسده، يحتوي وجهها ويقبلها بعدما وجد انهيارها بالدموع وتذكر ذاك اليوم عاد من سفره الذي ظل به لمدة ثلاث اشهر، بسبب عملية نهى، اتجه الى منزل عمه كعادته، دلف للداخل، لمح دخول سيارته من البوابة الرئيسية، ابتعد عن النافذة بدخول ماسة _غسان جيه ياعبدالرحمن ظل واقفًا بجمود، وقلبه يتفتت بداخله، اقتربت منه فجأة، ولم يشعر سوى بأنها تعانقه وتقبله، بدخول غسان الذي وقف متجمدًا على ذلك المشهد، توقف للحظة وهو يتابع بعينه صديقه مع خطيبته وحبيبته، لف عبدالرحمن ذراعيه حول جسدها حتى ينتهي الأمر، ودمعة نزلت من عينيه باقتراب غسان _عبد. الرحمن نطقها بتقطع، ونظرة مذهولة، في تلك اللحظة دلف فراس، يسند زوجته، ولكنه توقف حين وجدها بأحضان عبدالرحمن الذي ابتعد قليلا اتجهت ماسة الى نهى _حمد الله على سلامتك يانهى رمقها غسان بنظرة ضائعة، وعيناه به الف سؤال، توقفت خطوات على كلمات ماسة _أنا وعبدالرحمن اتجوزنا صدمة ذهول الم توقف انفاس، يحاول ان يستوعب مابصقته، وصل لوقوف عبدالرحمن _ازيك ياصاحبي، عامل ايه كلمات كالطلقات النارية، لم يستطع أن يرد عليها، ابتلع غصته وحاول السيطرة على مشاعره _آسف ياغسان، عارف انك هتتصدم، بس أنا وماسة اتجوزنا، وماتسألنيش ازاي لحظة بل دقيقة وهو متجمد بمكانه يدور بعينه بالمكان عله يستوعب، مايحدث رفع عيناه اليها، وهي تحتضن ذراعه وتبتسم _مش هتقول مبروك اقترب فراس بعدما استمع الى حوارهما _انا مش فاهم حاجة، مين اللي اتجوز دارت عيناه بالمنزل _مش دا بيتنا، ايه اللي جاب عبدالرحمن هنا وقعت عيناه على ماترتديه ماسة، اقترب خطوة اخرى _من امتى وانت بتقعد مع ماسة وهي لابسة كدا، ومن امتى بتيجي بيت عمي واحنا مش موجودين، هو عمي فين __أنا هنا يافراس رفع نظره الى غياث، ثم قال _ايه اللي بيحصل دا ياعمي _مفيش حاجة، عبدالرحمن وماسة اتجوز لحظة واحدة عله يستوعب مانطق للمرة الثانية _آسف ياغسان، عارف انك هتقول أناني، بس الكام شهر اتعلقت بماسة، علشان كدا اتجوزتها، خفت تسبني حدقه بنظره كأنه لم يستوعب مااستمع اليه سحبها فراس من خصلاتها بجنون أمام الجميع _الواد دا بيقول ايه يابت، دا انا اد فنك اختبأت خلف عبدالرحمن _انا قولت لك قبل كدا ياغسان، انت زي اخويا، وانت السبب فضلت تحكي لي عليه لحد ماحبيته رفع فراس المقعد بجنون ودفعه عليها _اقسم بالله لأمو. ، تك خرج من ذكرياته المؤلمة على صوت بكاء خديجة شهقت ببكاء _انا مفضلتش عليك راجل، انا كنت بشوفك احسن راجل في الدنيا بس ظروفي كانت اقوى مني، مفيش راجل في الدنيا عندي زيك علشان تقول كدا ضمها الى صدره، وداخله نيران تعظم غضبًا اتجاه غسان، كيف له ان يقول لها ذلك _اهدي، انا فعلا قولت له، علشان كان قريب مني، ودردشنا عادي، بس متوقعتش انه رفعت رأسها تنظر بدموع عيناها _انا مفضلتش عليك حد ازال دموعها يهز رأسه _عارف حبيبتي، عارف، اسف، كانت دردشة، علشان قلبي كان مكسور منك _عبدالرحمن انا محبتش غيرك، والله غصب عني _تمام... تمام، اهدي انا اسف قالها وهو يضمها وقاد السيارة مرة اخرى، ولا يريد سوى غسان أمامه الان مضت عدة ايام الى أن ذهبت بوالدتها الى طبيبا مشهورا بالقاهرة، ليتابع حالتها برفقته لقد اشترى منزلا خاصًا به لاستقراره بعض الوقت به، بعد رفض غسان باستلام الشركة وبدأت خديجة تتابع مع طبيب والدتها الذي بدأ التحسن عليها تدريجيًا، ذات مساء جلست مع والدتها تقص لها ماتفعله بيومها بالقاهرة بعد نزول عبد الـــــرحمـــن لعمله _عبدالرحمن بيقول معظم الوقت هنكون هنا ياماما، بعد شغله الجديد، انا نفسيا مش حابة هنا _خديجة... المكان اللي جوزك يكون فيه لازم تكوني فيه اتجهت وجلست على ركبتيها أمام والدتها _هو بيسمع كلامك قولي له يوافق على شغلي ربتت على شعرها وابتسمت _مش هيوافق، بيغير ابن حسناء توردت وجنتيها، رفعت فاتن ذقن بنتها _حياتك عاملة مع جوزك ايه رفعت خصلات متمردة خلف اذنها _تقصدي ايه ياماما نظر لعيني ابنتها _جوازك من عبدالرحمن مكتمل ياخديجة، ولا لسة اثار الماضي مأثرة عليكي وضعت رأسها على حجر والدتها _مش قادرة ياماما، حاولت ومقدرتش مسدت على خصلات ابنتها بحزن _حاولي حبيبتي، لازم تخرجي من الماضي، لازم تحسسي جوزك بحبك، ممكن يفهمها بطريقة غلط رفعت رأسها تنظر لوالدتها باستفهام _تقصدي ايه ياماما لمست وجنة ابنتها _بتقولي مش بيحبك يابنت فاتن، لما هو مش بيحبك صابر عليكي ليه المهم سيبك من الكلام دا دلوقتي، لازم تدفني الماضي، علشان الحاضر، مفيش راجل بيصبر كتير، حتى لو بيعشق، ومتنسيش انه متجوز، مهما كانت طريقة جوازه بس مراته، متخليش يهرب لعندها حتى لو ليها حق، هو قالي انه هيكمل معاكي والتانية وضع مؤقت، مدام مؤقت يبقى يفضل مؤقت ياخديجة، لازم تقربي من جوزك وبلاش تحسسيه ان كان فيه قبله مهما كان تعبك عند غسان دلف إلى مكتب عبدالرحمن، الذي كان متوقفًا أمام النافذة ينظر لحركة الشوارع ألقى ورقًا أمامه _يبقى امضي الورق دا، مراد سافر التفت اليه بجسده ثم عاد مرة اخرى ينظر أمامه _ماليش دعوة، انا كلمت المحامي، وعملت تنازل كامل، توافق متوافقش ميهمنيش _تمام... سلم كل حاجة قالها وتحرك للخارج بدخول ماسة، توقفت أمامه _عامل ايه زم شفتيه ساخرًا وتحرك للخارج دون حديث، اقتربت من وقوف عبدالرحمن _سيليا بتعيط وبتسأل عليك، يبقى كلمها البنت بقالها يومين مش مبطلة عياط التفت اليها _قولتي لها ايه علشان تسأل عاي _مقولتش حاجة، هي جت مفكرة هتلاقيك _ماهي لازم تسأل علي، امال تسأل على واحدة زيك _عبدالرحمن لو سمحت، كفاية بقى، كفاية متخليش حبك لخديجة يخسرك البنت دفعها بقوة على الجدار _متجبيش سيرة خديجة تاني، روحي احكي لابن عمك الحقيقة، مراتي لو حاول يقرب منها هولع فيكم كلكم سمعتني ياصاحب الصون والعفاف _انت ايه يااخي، معندكش احساس خالص، هو انا ايه ماليش حق عليك _لا... صرخ بها _مالكيش اي حق عندي اقترب خطوة منها ونظر لمقلتيها _تعرفي انا بشمئز من نفسي علشان مكتوبة على اسمي، معرفش الوش وش ملاك ولكن من جوا شيطان انا بكرهك ياماسة، بكرهك اوي، ولو رجع بيا الزمن لليلة اللي دمرتني كنت ولـ عت فيكي، وريحت الكل منك ومن قرفك اقترب خطوة اخرى _تعرفي انا صعبان علي سيليا، ان ربنا رزقها باام زيك، البنت دي لما تكبر ازاي هتكوني امها، عايز اعرف انت هتكوني امها ازاي، وانت حاولتي تموتيها بدل المرة تلاتة _خلاص بقى... اخرس، انت ايه، مفكر نفسك ملاك، الكل بيغلط وانت لا لا ياعبدالرحمن بيه، ورا وشك دا قناع مزيف، اوعى تفكر انك ملاك لانك لو اتخرست مكناش وصلنا لكدا، انت مالك، تدخل ليه، ان كنت بتكرهني مرة انا بكرهك مليون مرة، دفعته بصدره بقوة _انت السبب، انت اللي دمرت حياتي، انا بكرهك _ماسة اهدي.. بدأت تحطم كل مايقابلها وتبكي بشهقات، دلف غسان على صراخها وبكاؤها وهي تردد _بكرهك وبكره غياث، بكره غسان كلكم، بكرهم كلكم حتى فراس ونهى كلكم قالتها وانهارت باكية على الأرضية، انحنى وحملها، بينما تجمد غسان على كلماتها خرج بها عبدالرحمن من الشركة واتجه بها الى المنزل استدعى الطبيب، الذي قام بالكشف عليها _انهيار عصبي خرج الطبيب، بينما بحث عبدالرحمن عن سيليا التي كانت تجلس بالحديقة أمام العابها _سيلي التفتت اليه سريعًا _بابي... قالتها الصغيرة. وركضت اليه حملها وهو يضمها بقوة لصدره _وحشتي بابي اوي ضمت وجهه _سيلي زعلانة من بابي، مامي قالت انك مش عايز تيجي، وبتحب خديجة اكتر مني ضمها متنهدا، ثم صمت للحظات وقال _لا حبيبتي، بحبك اكتر واحدة في الكون دا كله، كنت مشغول بس هزها بمزاح وظل يلهو معها، استيقظت ماسة على صوت ضحكاتهما، وركض الصغيرة اليه، كيف تحولت ابنتها بعدما كانت هادئة الى هذا الحد منذ وصوله _ايه رأيك نروح عند ديجا، ايه مش وحشتك صفقت بيدها _اااه... اااه، انا بحب ديجا وبابي اوي نزلت دموع ماسة، فتراجعت للخلف وكلماته مع ابنتها شق صدرها رفعت هاتفها تنظر بشاشته للحظات، ثم ضغطت على الرقم كان شاردا بما حدث اليوم، وكلماتها الغير مفهومة، هل لزواجه من حبيبته توقف على كلمة حبيبته، ثم فتح هاتفه يمرر بعض الصور أمامه ويتذكر حديث الرجل عن زواج خديجة، واخيها وزوجها الغامض فجأة انارت الشاشة برقم مجهول _أيوة _غسان.. متزعلش مني، انا طول عمري شيفاك اخوي الكبير، وقولت لك كتير _اقفلي مش عايز اسمع صوتك، ياخاينة قالها واغلق الهاتف ينظر امامه بشرود، يشعر بعدم قدرته على التنفس مسح على وجهه بغضب حارق واتجه الى غرفة الرياضة وهو يتحدث بهاتفه _عايز انزل اسكندرية، جهزلي عربية نظرت ماسة للهاتف الذي اغلقه بوجهها، ثم سقط من يدها، واتجهت الى الحمام تجر قدميها بصعوبة، توقفت تنظر لنفسها بالمرآة تتذكر مافعله والدها بها، لا تعلم من المتهم الأول بحياتها، هل هي، ام والدها، ام عبدالرحمن، ام غسان ام فراس، نظرت الى الجميع بأنهم سبب مامرت به فجأة وقعت عيناها على الة حادة، المقص، صحبته وغرسته بيده، وهي تنظر لدماء بصمت مريب عند عبدالرحمن قام الاتصال بخديجة وهو يحمل سيليا على ساقيه، كانت تقف أمام المرآة تنتقي ماذا سترتدي وكلمات والدتها تصم اذنيها استمعت الى رنين هاتفها، فتحت الهاتف على مكالمة فيديو، فجأة وجدته يجلس يحمل سيليا _ديجا عاملة ايه، انا وبابي هنيجي بعد شوية _حبيبتي عاملة ايه وحشتيني _هي بس اللي وحشتك نظرت اليه بصمت، فاكمل وهو يبعد نظره _خليكي مخصماني ياخديجة، لما اشوف اخرتها ايه _ديجا بابي بيحبك صالحيه، اللي بيخاصم بيروح النار مش كدا يابابي قبل ابنته وعيناه على خديجة _كدا ياروح بابي، قولي لانطي ديجا بابي هيروح النار علشان مخصماه _انت اللي مخاصم ولا هي زهقتوني قالتها وركضت الصغيرة للاعلى بينما رد عبدالرحمن _هروح مكانها ياسيلي علشان متتألمش _هتتأخر قالتها بخفوت _لو قولتي تعالى هتلاقيني عندك في غمضة عين _وحشتني أوي، وعايزة اصالحك ابتسم حتى لمعت عيناه بالعشق _انا اللي هصالحك، اديني عشر دقايق وتكوني في حضني _عبدالرحمن _حبيب عيونه لعبدالرحمن _بحبك... _طب اقفلي ياخديجة ابتسمت واغلقت الهاتف وقلبها ينبض بالعنف، ثم اتجهت الى احد ادراج خزانتها واخرجت مابه،تنظر اليه وتحاول أن تتنفس بسهولة _بتحبيه لازم تتحملي اخرجته تفرده فوق الفراش دلفت الى الحمام، ظلت لفترة ثم خرجت تنظر لما وضعته قميص أحمرَ ناريًّا، يلفت الأنظار بلونه الصارخ، لكن عينيها لم تريا فيه سوى خوفها. مررت أناملها فوق نسيجه الناعم، تتلمسه بتردد، وكأنها تتحسس بيديها حدود خطوة تخشى الإقدام عليها. هل ستجرؤ حقًّا على فعل ما انتوته؟ تسارعت دقات قلبها، وتلاحقت أنفاسها كلما تخيلت نفسها أمامه، تستجمع شجاعتها لتتجاوز ذلك الحاجز الذي ظل قائمًا بينهما منذ زواجهما. ارتفعت إلى ذاكرتها كلماته، تلك التي حاول مرارًا أن يطمئنها بها، لكنها كانت كلما تذكرتها شعرت بوخزة جديدة في قلبها. لم تكن تريد أن تصبح امرأة ناقصة في نظر الرجل الذي أحبته بكل ما فيها، حتى قبل أن يصبح زوجها. انحدرت عيناها نحو القميص مرة أخرى، ثم ضمته إلى صدرها للحظات، قبل أن تنتفض على رنين هاتفها. التقطته دون تفكير، لكن ما إن وقعت عيناها على اسمه حتى ارتجف قلبها، مررت إصبعها على الشاشة، ثم رفعت الهاتف إلى أذنها، تحاول أن تجعل صوتها طبيعيًّا. _ أيوة. أتتها نبرته الهادئة من الطرف الآخر: _ خديجة، هبات الليلة مع ماسة وسيليا، ماسة تعبانة ومش هينفع أسيبها لوحدها. تجمدت أصابعها حول الهاتف. ها هو يخبرها ببساطة أنه سيقضي ليلته هناك، مع المرأة التي انتهت علاقته بها منذ سنوات، كما يقول، ومع ابنتهما. ربما كان الأمر منطقيًّا، وربما لم يكن أمامه خيار آخر، لكن قلبها لم يكن يعرف كيف يتعامل مع المنطق حين يتعلق الأمر به. ابتلعت الغصة التي صعدت إلى حلقها، وأجابت بصوت خافت: _ تمام. كلمة واحدة، لم تحمل اعتراضًا ولا عتابًا، لكنها كانت أثقل من أن تمر دون أن تجرحها. _ خديجة؟ _ نعم؟ _حبيبتي.. اسف، غصب عني انت مش زعلانة صح _لا مش زعلانة _طب انت كويسة؟! كادت أن تخبره بكل شيء؛ أنها ليست بخير، وأنها تتعب من محاولاتها المستمرة لتبدو قوية، وأنها تريد منه أن يشعر بها دون أن تضطر إلى شرح ما يؤلمها. لكنها ابتلعت كلماتها، كما ابتلعت الكثير قبلها. _ آه، كويسة. تصبح على خير. لم تنتظر رده، وأنهت المكالمة، ثم أنزلت الهاتف ببطء. ظلت جالسة مكانها، تحدق في الفراغ، بينما خفتت ملامحها شيئًا فشيئًا. كانت الغرفة من حولها ساكنة، ومع ذلك شعرت ببرودة تتسلل إلى أطرافها، برودة لم يكن مصدرها الهواء، بل ذلك الفراغ الذي خلّفه، والذي حاولت ان تجمعه التفتت نحو القميص الملقى بجوارها، فشعرت بوخزة في صدرها. كم بدت لها الفكرة سخيفة الآن! أن ترتدي شيئًا اختارته بقلب يرتجف، وتنتظر عودته، ثم تحاول أن تكون المرأة التي يريدها، بينما هي لا تزال عاجزة عن الشعور بالأمان في زواجها. أطرقت برأسها، ومررت كفها على وجهها محاولة منع دموعها من السقوط، لكنها كانت قد تعبت من المقاومة. نهضت أخيرًا، وتركت القميص مكانه، ثم خرجت من الغرفة بخطوات مثقلة، متجهة إلى غرفة والدتها. لم تكن تريد أن تشرح شيئًا، ولا أن تجيب دفعت الباب برفق ودلفت إلى الغرفة. كانت فاتن تجلس على فراشها، تتلو آيات القرآن الكريم، وحين أحست بوجودها رفعت عينيها عن المصحف. توقفت نظراتها عند ابنتها الواقفة قرب الباب، شاردة، مطأطئة الرأس، وكأنها تحمل فوق كتفيها ما يفوق قدرتها على الاحتمال. لم تسألها عما بها، ولم تنتظر منها أن تتكلم. أغلقت المصحف برفق، ووضعته إلى جوارها، ثم فتحت ذراعيها قليلًا وهي تشير إليها بحنان. كانت فاتن تجلس على فراشها، تتلو آيات القرآن الكريم، وحين أحست بوجودها رفعت عينيها عن المصحف. توقفت نظراتها عند ابنتها الواقفة قرب الباب، شاردة، مطأطئة الرأس، وكأنها تحمل فوق كتفيها ما يفوق قدرتها على الاحتمال. لم تسألها عما بها، ولم تنتظر منها أن تتكلم. أغلقت المصحف برفق، ووضعته إلى جوارها، ثم فتحت ذراعيها قليلًا وهي تشير إليها بحنان. تعالي يا حبيبتي، واقفة ليه؟ رفعت خديجة عينيها نحوها، وحاولت أن تبتسم، لكن شفتيها ارتجفتا، وانطفأت المحاولة قبل أن تكتمل. خطت نحوها ببطء، ثم جلست إلى جوارها، وظلت صامتة، تحدق في يديها المتشابكتين فوق حجرها. مدت فاتن يدها تمسح على شعرها بحنان، ثم مالت نحوها قليلًا. _ مالك يا قلب أمك؟ تمددت خديجة، وأسندت رأسها إلى ساق والدتها، بينما راحت فاتن تمرر أصابعها بين خصلات شعرها بحنان، تتأمل وجهها الشاحب وعينيها اللتين أرهقهما البكاء. كانت ابنتها صامتة، لكن ذلك الصمت لم يكن مطمئنًا؛ كان يشبه الهدوء الذي يسبق الانهيار، وكأنها تحبس في صدرها وجعًا أكبر من قدرتها على الاحتمال. انحنت فاتن قليلًا، ومسحت على وجنتها. _ مالك يا حبيبتي؟ عبدالرحمن مرجعش؟ أغمضت خديجة عينيها، وانقبضت أصابعها فوق ثيابها، ثم همست بصوت مرتعش: _ أنا بموت يا ماما... بموت بجد. توقفت يد فاتن للحظة فوق رأسها، قبل أن تعاود التمسيد على شعرها، بينما تابعت خديجة بصوت أخذ يختنق شيئًا فشيئًا: _ مش قادرة أستحمل فكرة إن في واحدة تانية بتشاركني فيه، مش قادرة أتخيل إنه معاها دلوقتي، وإنه ممكن يكون جنبها وهي تعبانة، وأنا قاعدة هنا لوحدي، بستنى مكالمة منه أو حتى رسالة تطمني إنه فاكرني. انحدرت دمعة من زاوية عينها، فمسحتها بظهر كفها، وكأنها غاضبة من ضعفها. أنا مش عايزة أبقى كده يا ماما، مش عايزة أفضل كل ليلة أحارب نفسي وأقنعها إني مراته وإنه بيحبني. أنا تعبت من إني أفضل خايفة أخسره، وتعبت أكتر من إني أحس إني ممكن أخسره وهو لسه معايا. تنهدت فاتن بحزن، ثم انحنت تقبل جبينها. _ بس هو بيحبك يا خديجة، وطول الوقت بيحاول يطمنك، وإنتِ بنفسك عارفة إنه متمسك بيكي. فتحت خديجة عينيها، وحدقت في وجه أمها بألم، ثم اعتدلت جالسة أمامها. _ ماما، أنا قلبي بيتحرق! إنتِ فاهمة يعني إيه أبقى قاعدة في أوضتي، وأبص على المكان اللي المفروض يكون فيه، وأفتكر إنه اختار يبات بعيد عني؟ إنتِ فاهمة يعني إيه أبقى مراته، ومع ذلك أحس إني مش مراته لوحدي؟ ارتجف صوتها، وانكسرت الكلمات بين شفتيها. أنا مش عايزة أفضل أستنى دوري في حياته يا ماما، مش عايزة كل ما أحتاجه ألاقي نفسي مضطرة أستوعب إن في حد تاني محتاجه قبلي. أنا عايزاه ليا، عايزاه يرجع لي، عايزاه يحسسني إني بيته اللي بيرجع له، مش واحدة بتستناه لحد ما يخلص حياته هناك وييجي لها! لم تجد فاتن ما تقوله. كانت ترى الوجع في عيني ابنتها، وتسمع في صوتها أنين قلب يحاول التشبث بحبه، بينما يسحبه الخوف نحو الهاوية. مدت فاتن يدها لتحتضنها، لكن خديجة ابتعدت قليلًا، وهزت رأسها وهي تحاول حبس شهقاتها. _ أنا مش قادرة يا ماما... والله مش قادرة. خرجت منها الكلمات التي ظلت تخشاها طوال الوقت: _ خليه يطلقني وأرتاح من العذاب ده. أنا مش عايزة أفضل كده، مش عايزة أفضل أحبه بالشكل ده وأتوجع كل يوم. يمكن لو بعدت عنه، قلبي يهدى، يمكن أعرف أعيش من غير ما أفضل مستنية منه حاجة تكسرني. اقتربت فاتن منها واحتضنتها، تمسح دموعها بحنان، بينما همست خديجة بصوتٍ منكسر: _ أنا مش عايزة أكرهه يا ماما، أنا بحبه... بحبه لدرجة إني بقيت بكره نفسي على ضعفي قدامه. كل مرة بيطمني، بصدقه، وكل مرة بيسيبني وبيروح لها، بحس إني ولا حاجة في حياته. أغمضت عينيها، ودفنت وجهها في صدر أمها، ثم أجهشت بالبكاء. _ أنا تعبت يا ماما... عايزة أعيش من غير الوجع ده، عايزة أصحى من النوم من غير ما أخاف إنه يسيبني ويمشي لواحدة تانية. خليه يطلقني وأرتاح من العذاب ده. شدّتها فاتن إلى صدرها أكثر، وقلبها يعتصر ألمًا على ابنتها التي لم ترَ منها يومًا سوى القوة، حتى جاء الحب وانتزع منها قدرتها على الاحتمال. _ يا حبيبتي، اهدي بس، متقوليش الكلام ده وإنتِ بالحالة دي. هو كل ليلة معاكي، إيه يعني لما يبات ليلة مع بنته علشان ماسة تعبانة؟ هو مش سايبك ولا ناسيكي. لكن خديجة انتفضت بين ذراعيها، وكأن كلمات أمها زادت جرحها عمقًا، ورفعت وجهها المبلل بالدموع، تهز رأسها بألم. _ بس أنا مش قادرة أشاركه مع واحدة تانية يا ماما... مش قادرة! _ أنا عارفة يا قلب أمك، عارفة إنك بتحبيه، وعارفة إن الموضوع واجعك، بس اهدي وفوّضي أمرك لربنا. مفيش وجع بيفضل للأبد، وربنا قادر يجبر بخاطرك جبر ينسّيكي كل اللي شوفتيه. مسحت خديجة دموعها بكف مرتجف، ثم همست بصوتٍ خافت: _ ادعيلي يا ماما... ادعيلي قلبي يبطل يحبه، علشان أنا مش قادرة أعيش وأنا كل يوم بخسر نفسي عشانه. لم تجد فاتن ما تقوله؛ ضمتها إلى صدرها، وبدأت تقرأ ما تيسر من القرآن بصوت هادئ، تمسح على شعرها بين الحين والآخر، حتى هدأت شهقاتها تدريجيًا، وأثقل النعاس جفنيها، لتغفو خديجة بين ذراعي أمها، بينما ظلت فاتن تحتضنها وتدعو الله أن يبدل وجعها طمأنينة. في الخارج، وقفت العاملة المنزلية خلف الباب للحظات، وقد وصل إلى مسامعها بكاء خديجة وكلماتها الموجعة. ترددت قبل أن تبتعد، لكنها لم تستطع تجاهل ما سمعته، فأخرجت هاتفها واتصلت بعبدالرحمن. ما إن أجابها حتى قالت بصوتٍ متردد: _ ألو يا بشمهندس، آسفة إني بزعج حضرتك، بس مدام خديجة تعبانة أوي، ومن ساعة وهي بتعيط. اعتدل عبدالرحمن في جلسته، وانقبض قلبه قلقًا. _ مالها؟ حصل لها حاجة؟ هي كويسة؟ _ هي عند طنط فاتن، بس أنا سمعتها بتقول إنها مش قادرة تستحمل وجود مدام ماسة في حياتك، وإنها عايزاك تطلقها علشان ترتاح من العذاب ده. أغلق عبدالرحمن الهاتف، وألقى نظرة أخيرة على ماسة التي استسلمت للنوم بعد أن هدأت، ثم التقط جاكيت بدلته وغادر الغرفة بهدوء. توقف أمام المربية، وقال بنبرة جادة: _ خلي بالك من المدام وسيليا، ولو حصل أي جديد، كلميني فورًا. _ تحت أمرك يا بشمهندس. لم ينتظر أكثر، بل أسرع بخطواته إلى الخارج، وكأن قلبه سبقه إلى خديجته، تلك التي تركها خلفه مطمئنًا إلى أنها ستتفهم غيابه، ولم يدرك أن غيابه كان يفتت ما تبقى من طمأنينتها. أغلق الهاتف، ثم أسرع إلى الداخل، وصعد إلى غرفة فاتن. طرق الباب طرقات خفيفة، قبل أن يدلف بهدوء، فتعلقت عيناه بخديجة النائمة فوق ساق والدتها، وملامحها الشاحبة لا تزال تحمل آثار بكائها. توقف مكانه، وشعر بوخزة حادة في صدره. _ آسف يا خالتي، تعبتك معايا. رفعت فاتن عينيها إليه، ثم هزّت رأسها برفق. _ لا يا ابني، مفيش آسف. ماسة كويسة؟ _ آه، الحمد لله. اقترب من خديجة وانحنى يحملها بحذر، فاضطربت أنفاسها قليلًا، وفتحت عينيها للحظة. همست باسمه بصوت خافت، ثم أغمضتهما مجددًا، مستسلمة بين ذراعيه. تحرّك عبدالرحمن نحو الباب، يحتضنها بين ذراعيه وكأنها أثمن ما يملك، وقبل أن يخرج، استوقفه صوت فاتن: _ عبدالرحمن... التفت إليها، فوجدها تنظر إليه بنظرات أمٍّ تخشى على قلب ابنتها _ متزعلش من خديجة يا ابني. هي ست، وغيرانة على جوزها، وقلبها مش مستحمل يحس إن فيه واحدة تانية بتشاركها فيك. هي مش بتعاندك، هي بس موجوعة. صعد الدرج ببطء، محتضنًا إياها إلى صدره، وعيناه لا تفارقان ملامحها الهادئة. كانت غافية، لا تدري أن الرجل الذي يحملها الآن يحارب عواصف لا تقل قسوة عن تلك التي تعصف بقلبها؛ يحبها حتى النخاع، لكنه كلما حاول أن يمنحها الأمان، وجد الحياة تضع بينهما امتحانًا جديدًا. _ عبدالرحمن... خرج اسمه من بين شفتيها هامسًا، فارتجف قلبه، وانحنى برأسه نحوها. _ عيون عبدالرحمن يا روح قلبه. دفع باب الغرفة بقدمه وأغلقه خلفه، ثم اتجه إلى الفراش، وأنزلها عليه برفق، كأنه يخشى أن يؤلمها حتى بلمسة عابرة. وقعت عيناه على المنامة الحمراء الموضوعة فوق الفراش، فتوقفت أنفاسه للحظة. كان يعرف أنها تحب هذا اللون، لكنّه يعرف أيضًا أن الحزن سرق منها أشياء كثيرة كانت تحبها جلس إلى جوارها، ومدّ يده يمسح خصلات شعرها المتناثرة على وجهها، ثم همس بصوتٍ أذابته الأشواق: _وحشتيني ضحكت وتابعت _ايه المدام بقت كويسة، ولا انت زهقت لم يُمهلها فرصة لإكمال سخريتها؛ مال نحوها وقبّلها بشوقٍ طال حبسه خلف ضلوعه، كأنه يحاول أن يخبرها بما عجزت الكلمات عن قوله، وأن يعوّضها عن ساعاتٍ ظنت فيها أنه اختار البُعد عنها. تعلّقت يداها بكتفيه، وتعثّر نَفَسها بين دهشتها واشتياقها. كيف لقلبها أن يقسو عليه، وهو ذاته القلب الذي يرتجف لمجرد اقترابه؟ وكيف لها أن تنسى وجعها، وهو الرجل الذي تستطيع لمسة واحدة منه أن تُسكت كل عواصفها، ولو للحظات؟ ابتعد قليلًا، وأسند جبهته إلى جبهتها، يلتقط أنفاسه بصعوبة، ثم همس: _ والله ما في قلبي ست غيرك، ولا فيه حضن في الدنيا دي بحس فيه إني رجعت لنفسي غير حضنك. ارتجفت شفتاها، وانسابت دمعة ساخنة على خدها. _عبدالرحمن طلقني... لو فعلًا بتحبني اثبت لي دا وطلقني، روح لمراتك وبنتك انا مش هقبل ولا لحظة أكون رقم في حياتك... لمست وجهه _خديجة بتقولك لو فعلًا بتحبها اثبت لها دا، اثبت لي انك بتحبني وطلقني ظل ينظر إليها بصمت مريب _لو بحبك اطلقك هكذا نطقها بهدوء اومأت والدموع تحتجز بعيناها نهض من مكانه، وانحنى الى الأرض، يرفع القميص من فوقه _موافق... قالها وألقى القميص بوجهها ثم قال _نتمم جوازنا الأول اغمضت عيناها وابتسامة على شفتيها، لا يعرف معناها نهضت من مكانها واقتربت منه قائلة