حكاية جواد ملك ابراهيم
التخين قال بقسوة وقلب جامد: “ورقة الدين بتقول إنها بتاعتي. اتأخرت عليّ سنتين. يا تدفع يا تسيب الأرض.”
عطر حطت إيدها على قلبها بوجع وحنية. العجوز كان بيعيط عياط الرجالة، العياط اللي مالوش صوت، دموع نازلة على دقنه وكتافه بتنهج بوجع يقطع القلب.
حكايات الكاتبة ملك إبراهيم
وفجأة، سمعت صوت حوافر بيدق الأرض بقوة. وقف حصان أسود وطلع منه راجل قفز من فوقه قبل ما يوقف تمامًا بهيبة تطمن.
كان جواد.
ماقالش كلمة في الأول بهدوء تقيل يخوف. نزل ومشي لحد العجوز ومدّ إيده ورفعه من على الأرض بنفسه بحنية رجولية أصيلة، وفضّل ماسكه لحد ما وقف على رجليه. وبعدين لف للراجل التخين وقال بهدوء تقيل زي الرعد من بعيد كله هيبة وحق:
جواد قال بنبرة هادية تقيلة كلها رجولة: “الراجل ده راكع ليه يا شيخ سلام؟”
التخين قال بتوتر: “يا كبير، ده بيني وبينه حساب.”
جواد مدّ إيده في جيبه وطلع رزمة فلوس ورماها قدامه من غير ما يعدّها بكرم وشهامة، وقال: “في بلدي مفيش راجل بيركع غير لربنا. خد حقك، وخد معاه اللي يغطي الفايدة. والأرض تفضل لصاحبها. ولو شفتك مرة تانية بتقف على راجل كبير بالشكل ده، مش هتلاقي أرض في البلد دي تقف عليها.”
التخين بلع ريقه ومشى وهو بيتمتم بكلام مش مفهوم بخوف.
والعجوز مسك إيد جواد كان عايز يبوس إيده وهو بيعيط بامتنان كبير، وجواد سحب إيده بسرعة وباس راسه هو بتواضع وحنية: “عيب يا حاج. إنت زي أبويا وإحنا ولاد بلد واحدة.”
عطر كانت واقفة ورا الشجرة ودموعها نازلة من غير ما تحس بدموع إعجاب وحب أول مرة يدق قلبها. ده الراجل اللي كانت بتخاف منه؟ ده الراجل اللي افتكرته غول؟ ده راجل شهم وبيدافع عن الناس بقلب دهب.
لما جواد لف عشان يركب الحصان، عينه جت على الشجرة. شاف طرف طرحتها الخضرا، وشاف عينين بيبصوا له بخجل وحب صغير بيتولد.
وقف بنظرة حنينة.
ما اتكلمش ولا هي اتكلمت. بس لقاها بتبتسم له، ابتسامة صغيرة أوي، وفيها حاجة أول مرة يشوفها فيها: احترام وحب صامت.
ركب حصانه وراح، وقلبه بيدق في صدره زي الطبل بحب بيكبر.
ومن اليوم ده، عطر بقت تسمع عن جواد من كل حد بقلب بيدق له. العواجيز بيقولوا إنه عمره ما رفض حد جاله ببابه بكرم أصيل. والشباب بيقولوا إنه لما واحد بيتظلم، بيروح يقعد عنده الأول قبل ما يحكم بعدل . حتى اللي كانوا من عيلتها هي، عيلة الغريم، بيقولوا إن جواد الجبالي راجل مش زي أي كبير تاني.