قطة في وادي الذئاب 2
وضع كوب الشاى الفارغ على سطح المنضدة ثم اراح ظهره على الأريكة الخشبية و هو يحك عنقه بإنهاك إثر سهر الليالى الذى بات كظله طيلة الفترة الماضية ، تحت أنظار قاسم الحائرة و نجاة الخائفة ينطق حسنى بارهاق:
_ و الله الواحد تعبان جوى
ثم وقف كى يتمطأ سامحا لعضلات صدره فى الاتساع و هو يقول:
_ انى هروح انام ، بجالى تلات ايام ما نمتش!
تحدث قاسم بنبرة يعلوها الشك كما يعلو نظراته:
_ رجعت ليه يا حسنى؟
_ مش وجته يابوى
قالها بعدم اكتراث و هو يهم بالاتجاه إلى باب الغرفة ، و حينها وقف قاسم عن كرسيه ثم دب بعصاه على الأرض بقوة و هو يقول بصوت مدعَّم بالقسوة:
_ رد على سؤالى وجت ماكلمك ، ولا نسيت نفسك يا ولد مشارى؟!
توقف للحظات قبل ان يستدير إلى الخلف فيواجه نظرات والده التى باتت حارقة ، بادله بنظرات هادئة قبل ان يقول بعزم و صلابة:
_ جيت آخد بطار معتمد ولد خالي يابوى
ضيق قاسم حدقتيه بدهشة قبل ان يتشدق بتساؤل:
_ و انت مين جالك بخصوص معتمد؟
اقتربت نجاة و قد عزمت على الإجابة بجمود بينما ينال حسنى مكانها متهكما:
_ امال ماكنتش عايزنى اعرف كيف؟
التفت قاسم إلى نجاة التى صارت على مقربة منه ثم هب بوجهها كالعاصفة يتهمها:
_ انتى اللى جلتيله ، صوح؟!
و كأن جسدها صار كالفولاذ ما عاد يخشى الصدمات ، واجهت عمها بعينين جافتين ثاقبتين لم يجرؤ أحد قبلا على التحديق فيه بهما ، بينما تحرك لسانها مع صوت انبعث من حنجرتها صامدا محتجا:
_ ايوة انى اللى جلت له ، عشان يرجع عن زينة المظلومة اللى عايز يجتلها دى ، جلت له عشان ياجى و اطلج و أخلص منه بجى ، جلت له عشان ياجى يوجف معاك ف مشكلة الطار اللى بدأ ده ، مش يجتل!
أسرع إليها حسنى و هو يدب الأرض بحذائه قبل أن يمسك بساعدها بين قبضته بقوة دفعتها إلى التأوه بخفة بينما يزمجر و هو يحدجها بنظراته النارية غاضبا:
_ بجى انتى فاكرانى حرمة جريتينى بكلمتين على هواكى ولا ايه؟ ، انى جيت عشان اصفى دمهم زى ما صفوا دم ولاد عمى ، بعد اكده هجتل الفاجرة اللى دايرة على شعرها فى البندر دي
ثم قبض على شعرها بين انامله مما جعلها تحنى رأسها مع اتجاه يده و قد ازدادت تأوهاتها علوا ، صرخ باصرار:
_ و بالنسبة للطلاج يا حلوة انش مطلج ، و اضر,بى راسك ف اجربها حيط
اقترب قاسم منه كى يردعه و لكن كان له السبق حينما تركها دون انتظار الأوامر كى تجثوا على ركبتيها أرضا و قد عاد قلبها إلى النحيب من جديد ، بينما وقف قاسم بجانبها ثم قال دون ان يحنى رأسه بتصميم:
_ هيطلجك يا نجاة ، و انى اللى هجيب ورج الطلاج بيدى يا بتى ، بس الصبر لما نشوفوا حل ف ورطة الطار دى
رفعت نجاة بصرها ملتفتة إلى وجه عمها قائلة بتساؤل يكسوه القلق:
_ و هتمنعه يجتل زينة يابوى؟
أغمض عينيه بنفاذ صبر قبل ان يجيبها ممتعضا:
_ دى حاجة لازم تحصل يا بتى ، ما تسأليش عنها تانى
ثم تجاوز الباب مغادرا الغرفة و نجاة التى غرقت بدموعها التى باتت كظلها فى هذه الفترة المفعمة بالبؤس و الألم