الفصل الحادي عشر طعم في يدا أليفة بقلم سيلا وليد

“اللهم استرنا فوق الأرض وتحت الأرض ويوم العرض عليك”

❤❤❤
ليس كل حبٍّ يُقال بالكلمات…
فبعض الحبّ رجلٌ يقف إلى جوارك حين يتراجع الجميع، ويضع كتفه سندًا لكِ حين تثقل بكِ الحياة، وكأن وجوده خُلق ليقول لكِ: لستِ وحدكِ.
وفي الحكايات التي يكون فيها الحب صادقًا، لا يكون الزوج مجرد رجلٍ أحب امرأة…
بل وطنًا كاملًا، إذا مسّها الخوف، استيقظت في داخله كل مشاعر الحماية، وإذا انكسر خاطرها، لم يهدأ حتى يرى ابتسامتها تعود.
هناك رجلٌ لا يخيفه غضب العالم، ولا تعنيه المواجهات حين يتعلق الأمر بمحبوبته؛ قد يهدأ أمام الجميع، لكنه من أجلها يستطيع أن يقلب الطاولة، ويهدم كل ما يقف في طريقها، ثم يعود إليها وكأن كل ما يهمه في هذه الدنيا هو أن يطمئن قلبها.
فحين يحب الرجل حقًا، لا يكتفي بأن يقول: «أنا أحبكِ»…
بل يصبح معنى آخر لكلمة «أنا معكِ»؛ أنا معكِ حين تخافين، حين تبكين، حين تخطئين، وحين تضيق بكِ الدنيا حتى لا يبقى لكِ فيها مكان.
وقد لا يستطيع أن يمنع عنها كل وجعٍ في الحياة…
لكنه سيبقى الرجل الذي يقف بينها وبين العالم، وكأنه يقول للجميع:
إن كانت الدنيا كلها ضدها… فسأكون أنا الدنيا التي تقف معها.

بقلم سيلا وليد، الرواية حصري وممنوع نقلها او نسخها

احتوى وجهها بين كفّيه، وتاه طويلًا في عسل عينيها… ظل يحدّق بها كأنّه يحاول أن يستعيد بعينيه كل الأيام التي حُرم فيها من النظر إليها، حتى مرّت لحظاتٌ طويلة قبل أن تشعر بالخجل، فخفضت بصرها وهمست:
_بتبص لي كدا ليه؟
ابتسم ابتسامةً غارقة في شوقه بها، وقال بصوتٍ خافت:
_بحاول أعوّض الأيام اللي فاتت يا ديجة.
رفع ذقنها بإصبعه، فعادت عيناها إلى عينيه.
_خديجة… مسمعتش منك كلمة “بحبك”. أنا عارف إنك بتحبيني، بس عايز أسمعها منك.
ارتسمت ابتسامة خجولة على شفتيها.
_واثق أوي كده؟
وضع جبينه فوق جبينها، ثم سحبها إليه وأحاط جسدها بذراعيه حتى التصقت بصدره.
_مش واثق بس… أنا سامع نبض قلبك بيناديني، زي قلبي بالظبط.
استكانت بين ذراعيه، وأسندت رأسها إلى صدره، وأغمضت عينيها
_صح يا عبدالرحمــــــــن؟
مرّر يده بحنان فوق شعرها، وضَمّها إليه أكثر.
_صح إيه يا روح عبدالرحمن؟ من حقي دلوقتي أسمع منك كل حاجة.
رفعت رأسها تنظر إليه، وسؤالٌ قديم يسكن عينيها:
_إنت لسه بتحبني زي الأول؟
انحنى وقبّل شفتيها قبلةً خاطفة، تحمل شوق سنواتٍ كاملة،  وابتعد قليلًا رغمًا عنه  يحدّق في عينيها الخجولة، وسنوات ماضية يتذكر كل نظرة منها اليه، ولكن ماذا فعل بهم القدر… لمس وجنتها بااصبعه
_دا سؤال يتسأل، خديجة انت تعرفي عبدالرحمن
تاهت بنظراته قبل كلماته
_أنا مبقتش عارفة حاجة
ضم رأسها الى صدره واغمض عيناه
_وعدت نفسي مليون وعد اني لو شفتك صدفة حتى مش هرمي السلام، كسرتيني أوي ياخديجة، كسرتي قلبي ودوستي عليه
دمعت عيناها من كلماته تهمس بخفوت
_غصب عني
ابتعد برأسه ومازالت نظراته اليها
_علشان كدا انت في حضني دلوقتي، دي الحاجة الوحيدة اللي بتشفعلك ياخديجة
انحنى لمستواها ينظر لداخل عيناها
_بتسأليني بحبك زي الأول
هز رأسه ومازالت الاعين متعلقة ببعضها، وقال
_أكتر من الأول بكتير… إنتِ متعرفيش أنا حاسس بإيه وإنتِ بين إيديا.. انا رضيت بيكي بعد ماكسرتيني، فيه حب أكتر من دا
_بس مش ملكي لوحدي
رفع ذقنها برفق، وقال:
_بس قلبي ملكك لوحدك، خديجة… إنتِ بقيتي مراتي. بقيتي في حضني بعد عذاب سنين.. ودا علشان قلبي ملكك لوحدك
ارتعشت ابتسامتها، ثم سألته بصوتٍ يحمل عتابًا لم يمت:
_طب كنت فين الأيام اللي فاتت؟ إزاي بتقول بحبك كده… وقدرت تبعد كل ده؟ قدرت تبعد عشر ايام، ولا علشان فيه بديل
ساد الصمت للحظة، قبل أن يجيبها بنبرةٍ مثقلة:
_كنتِ متضايقة من بُعدي؟
نظرت إليه طويلًا.
_إنت شايف إيه؟
مدّ يده إلى حزام روبها، يسحبها منه، ثم انحنى يدفن وجهه عند عنقها، يستنشق عطرها كأنه أصبح جرعته
_أنا شايف إني اتعذبت كتير أوي… وبقولك كفاية كده على حبيبك يا ديجا.
_يعني أنا حبيبتك الوحيدة ياعبد الرحمــــــــن، مابتحبش حد غيري
ابتسم على كلمات مبطنة بالغيرة
_اه ياديجة مبحبش غيرك، اطمني
_طيب وماسة…
_ايه عايزاني اطلقها
توسعت عيناها تهمس دون وعي
_ممكن تطلقها علشاني
انحنى يلمس ثغرها حتى يطمئن قلبها، يهمس لها من بين قبلاته
_اطمني… حبيبي مستعد اعمل كل حاجة علشانك
رقص قلبها فرحًا، ونظرت اليه بسعادة الانثى داخلها بعدما اطمئن قلبها على رجلها، رفعت ذراعيها حول عنقه
_عبدالرحمن لازم أقولك حاجة مهمة
فجأة انفتح الباب
استدار عبدالرحمن برأسه، وتجمد جسده للحظة من الصدمة.
_إنتِ اتجننتي؟! إزاي تدخلي كده؟
_فكرت اوضة سيليا، اصلها وحشتني، الشغالة قالت لي الاوضة اللي فوق
_برة… صرخ بها بغضب على عكس حالته التي كان عليها
وقعت عينا ماسة على خديجة بين ذراعيه.
شعرها المبتل، وروبها الوردي الذي يصل إلى ركبتيها، ورباطه المرتخي قليلًا، وقرب عبدالرحمن منها… كل شيءٍ أمام عينيها كان كافيًا ليشعل في صدرها نيران الغيرة.
أسرعت خديجة بلمّ روبها حول جسدها، بينما رفعت عينيها إلى عبدالرحمن، وفيهما غضبٌ حارق.
_اسفة ياعروسة، اصلي كنت سامعة انه جواز صوري، بس اهو كلام في الاول، لحد ماتتمكني
ابتعدت خديجة عن أحضان عبدالرحمن
_اطلعوا برة… عايزة ألبس هدومي.
التفت إليها عبدالرحمن سريعًا، مذهولًا من نبرتها، لكنها لم تنظر إليه، وقالت ببرودٍ موجع:
_خُد مراتك واطلع من أوضتي… وزي ما قلت لك دلوقتي، أنا اتجوزتك علشان أمي وبس.
اقترب عبدالرحمن من ماسة، وأخرجها من الغرفة بحزم، ثم التفت إلى خديجة:
_خمس دقايق وراجع.
لكنها لم تجبه.
اقتربت منه، ودفعته خارج الغرفة، ثم أغلقت الباب بقوة.
ظل واقفًا أمام الباب المغلق، وكأن صوت إغلاقه ارتطم بصدره مباشرة.
أغمض عينيه للحظة، وخرجت منه زفرة مختنقة، ثم استدار ببطء…
كانت ماسة تقف أمامه مرتبكة.
_أنا فكرتها أوضة سيليا… معرفش، أصل…
لم يمهلها لتكمل.
تقدّم نحوها حتى اضطرت إلى التراجع، وأصبح جسدها محاصرًا بينه وبين الجدار.
انخفض صوته، لكنه كان أشد وقعًا من الصراخ:
_مسألتيش نفسك أنا متحملك ليه؟
ارتجفت شفتاها، وانهمرت دموعها.
_عبدالرحمن… أنا حقيقي بحبك. غيرت عليك يا أخي.
اقترب منها، وقال بمرارة:
_وأنا بكرهك… حلو كده؟ مش طايق فيكي شعرة. ولولا سيليا، كنت زماني رميتك.
هزّت رأسها بعجز، والدموع تغرق وجهها.
_بس إنت مش هتعمل كده… مستحيل تعمل كده، صح؟
استرسلت باكية:
_أنا عارفة إنك زهقت مني، والله ما أقصد أضايقك… بس أنا فعلًا حبيتك. قلبي مش بإيدي.
ثم قبضت على يده وكأنها تتشبث بآخر شيءٍ يربطها به:
_عبدالرحمن… إنت وعدتني إنك مش هتتخلى عني. نسيت وعودك ليا؟
زفر باختناق، وأشاح بعينيه عنها لحظة، قبل أن يسأل:
_عايزة إيه يا ماسة؟
ارتمت في أحضانه وانفجرت في البكاء.
_أنا تعبانة أوي… مش عايزة أرجع ماسة القديمة. من فضلك… متتخلاش عني.
تصلّب جسده، ثم أبعدها عنه برفق، ونظر إلى عينيها الممتلئتين بالدموع.
_وأنا أعمل إيه؟
رفعت عينيها إليه، وقالت برجاءٍ موجع:
_أوعدك مش هقرب من خديجة… لو ده يرضيك.
ابتسم بمرارة.
_ما هو غصب عنك هتعملي كده، مش برضاكي. وأنا كنت صريح معاكي من الأول.
هزّت رأسها وهي تبكي:
_بس مكنتش بحبك…
ثم اقتربت منه أكثر، وصوتها ينكسر:
_إنت عايزني أعمل لك إيه تاني؟ عبدالرحمن، أنا محتاجاك… لو سمحت.
وضعت كفّيها على وجهه، تتوسل إليه بعينيها قبل كلماتها:
_حبني… لو نص حبك لخديجة.
اقتربت منه محاولةً تقبيله، لكنه ابتعد عنها فورًا.
_ماسة… خديجة دلوقتي مراتي.
شهقت من وجع الكلمة.
_وأنا… أنا مراتك زيها.
_ماسة…
قال اسمها وهو يمرر يده على وجهه، مستغفرًا في صمت، ثم تابع بصوتٍ حاسم:

1 2 3 4 5 6 7 8 9الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!