"اللهم استرنا فوق الأرض وتحت الأرض ويوم العرض عليك" ❤❤❤ ليس كل حبٍّ يُقال بالكلمات... فبعض الحبّ رجلٌ يقف إلى جوارك حين يتراجع الجميع، ويضع كتفه سندًا لكِ حين تثقل بكِ الحياة، وكأن وجوده خُلق ليقول لكِ: لستِ وحدكِ. وفي الحكايات التي يكون فيها الحب صادقًا، لا يكون الزوج مجرد رجلٍ أحب امرأة... بل وطنًا كاملًا، إذا مسّها الخوف، استيقظت في داخله كل مشاعر الحماية، وإذا انكسر خاطرها، لم يهدأ حتى يرى ابتسامتها تعود. هناك رجلٌ لا يخيفه غضب العالم، ولا تعنيه المواجهات حين يتعلق الأمر بمحبوبته؛ قد يهدأ أمام الجميع، لكنه من أجلها يستطيع أن يقلب الطاولة، ويهدم كل ما يقف في طريقها، ثم يعود إليها وكأن كل ما يهمه في هذه الدنيا هو أن يطمئن قلبها. فحين يحب الرجل حقًا، لا يكتفي بأن يقول: «أنا أحبكِ»... بل يصبح معنى آخر لكلمة «أنا معكِ»؛ أنا معكِ حين تخافين، حين تبكين، حين تخطئين، وحين تضيق بكِ الدنيا حتى لا يبقى لكِ فيها مكان. وقد لا يستطيع أن يمنع عنها كل وجعٍ في الحياة... لكنه سيبقى الرجل الذي يقف بينها وبين العالم، وكأنه يقول للجميع: إن كانت الدنيا كلها ضدها... فسأكون أنا الدنيا التي تقف معها. بقلم سيلا وليد، الرواية حصري وممنوع نقلها او نسخها احتوى وجهها بين كفّيه، وتاه طويلًا في عسل عينيها... ظل يحدّق بها كأنّه يحاول أن يستعيد بعينيه كل الأيام التي حُرم فيها من النظر إليها، حتى مرّت لحظاتٌ طويلة قبل أن تشعر بالخجل، فخفضت بصرها وهمست: _بتبص لي كدا ليه؟ ابتسم ابتسامةً غارقة في شوقه بها، وقال بصوتٍ خافت: _بحاول أعوّض الأيام اللي فاتت يا ديجة. رفع ذقنها بإصبعه، فعادت عيناها إلى عينيه. _خديجة... مسمعتش منك كلمة "بحبك". أنا عارف إنك بتحبيني، بس عايز أسمعها منك. ارتسمت ابتسامة خجولة على شفتيها. _واثق أوي كده؟ وضع جبينه فوق جبينها، ثم سحبها إليه وأحاط جسدها بذراعيه حتى التصقت بصدره. _مش واثق بس... أنا سامع نبض قلبك بيناديني، زي قلبي بالظبط. استكانت بين ذراعيه، وأسندت رأسها إلى صدره، وأغمضت عينيها _صح يا عبدالرحمــــــــن؟ مرّر يده بحنان فوق شعرها، وضَمّها إليه أكثر. _صح إيه يا روح عبدالرحمن؟ من حقي دلوقتي أسمع منك كل حاجة. رفعت رأسها تنظر إليه، وسؤالٌ قديم يسكن عينيها: _إنت لسه بتحبني زي الأول؟ انحنى وقبّل شفتيها قبلةً خاطفة، تحمل شوق سنواتٍ كاملة، وابتعد قليلًا رغمًا عنه يحدّق في عينيها الخجولة، وسنوات ماضية يتذكر كل نظرة منها اليه، ولكن ماذا فعل بهم القدر... لمس وجنتها بااصبعه _دا سؤال يتسأل، خديجة انت تعرفي عبدالرحمن تاهت بنظراته قبل كلماته _أنا مبقتش عارفة حاجة ضم رأسها الى صدره واغمض عيناه _وعدت نفسي مليون وعد اني لو شفتك صدفة حتى مش هرمي السلام، كسرتيني أوي ياخديجة، كسرتي قلبي ودوستي عليه دمعت عيناها من كلماته تهمس بخفوت _غصب عني ابتعد برأسه ومازالت نظراته اليها _علشان كدا انت في حضني دلوقتي، دي الحاجة الوحيدة اللي بتشفعلك ياخديجة انحنى لمستواها ينظر لداخل عيناها _بتسأليني بحبك زي الأول هز رأسه ومازالت الاعين متعلقة ببعضها، وقال _أكتر من الأول بكتير... إنتِ متعرفيش أنا حاسس بإيه وإنتِ بين إيديا.. انا رضيت بيكي بعد ماكسرتيني، فيه حب أكتر من دا _بس مش ملكي لوحدي رفع ذقنها برفق، وقال: _بس قلبي ملكك لوحدك، خديجة... إنتِ بقيتي مراتي. بقيتي في حضني بعد عذاب سنين.. ودا علشان قلبي ملكك لوحدك ارتعشت ابتسامتها، ثم سألته بصوتٍ يحمل عتابًا لم يمت: _طب كنت فين الأيام اللي فاتت؟ إزاي بتقول بحبك كده... وقدرت تبعد كل ده؟ قدرت تبعد عشر ايام، ولا علشان فيه بديل ساد الصمت للحظة، قبل أن يجيبها بنبرةٍ مثقلة: _كنتِ متضايقة من بُعدي؟ نظرت إليه طويلًا. _إنت شايف إيه؟ مدّ يده إلى حزام روبها، يسحبها منه، ثم انحنى يدفن وجهه عند عنقها، يستنشق عطرها كأنه أصبح جرعته _أنا شايف إني اتعذبت كتير أوي... وبقولك كفاية كده على حبيبك يا ديجا. _يعني أنا حبيبتك الوحيدة ياعبد الرحمــــــــن، مابتحبش حد غيري ابتسم على كلمات مبطنة بالغيرة _اه ياديجة مبحبش غيرك، اطمني _طيب وماسة... _ايه عايزاني اطلقها توسعت عيناها تهمس دون وعي _ممكن تطلقها علشاني انحنى يلمس ثغرها حتى يطمئن قلبها، يهمس لها من بين قبلاته _اطمني... حبيبي مستعد اعمل كل حاجة علشانك رقص قلبها فرحًا، ونظرت اليه بسعادة الانثى داخلها بعدما اطمئن قلبها على رجلها، رفعت ذراعيها حول عنقه _عبدالرحمن لازم أقولك حاجة مهمة فجأة انفتح الباب استدار عبدالرحمن برأسه، وتجمد جسده للحظة من الصدمة. _إنتِ اتجننتي؟! إزاي تدخلي كده؟ _فكرت اوضة سيليا، اصلها وحشتني، الشغالة قالت لي الاوضة اللي فوق _برة... صرخ بها بغضب على عكس حالته التي كان عليها وقعت عينا ماسة على خديجة بين ذراعيه. شعرها المبتل، وروبها الوردي الذي يصل إلى ركبتيها، ورباطه المرتخي قليلًا، وقرب عبدالرحمن منها... كل شيءٍ أمام عينيها كان كافيًا ليشعل في صدرها نيران الغيرة. أسرعت خديجة بلمّ روبها حول جسدها، بينما رفعت عينيها إلى عبدالرحمن، وفيهما غضبٌ حارق. _اسفة ياعروسة، اصلي كنت سامعة انه جواز صوري، بس اهو كلام في الاول، لحد ماتتمكني ابتعدت خديجة عن أحضان عبدالرحمن _اطلعوا برة... عايزة ألبس هدومي. التفت إليها عبدالرحمن سريعًا، مذهولًا من نبرتها، لكنها لم تنظر إليه، وقالت ببرودٍ موجع: _خُد مراتك واطلع من أوضتي... وزي ما قلت لك دلوقتي، أنا اتجوزتك علشان أمي وبس. اقترب عبدالرحمن من ماسة، وأخرجها من الغرفة بحزم، ثم التفت إلى خديجة: _خمس دقايق وراجع. لكنها لم تجبه. اقتربت منه، ودفعته خارج الغرفة، ثم أغلقت الباب بقوة. ظل واقفًا أمام الباب المغلق، وكأن صوت إغلاقه ارتطم بصدره مباشرة. أغمض عينيه للحظة، وخرجت منه زفرة مختنقة، ثم استدار ببطء... كانت ماسة تقف أمامه مرتبكة. _أنا فكرتها أوضة سيليا... معرفش، أصل... لم يمهلها لتكمل. تقدّم نحوها حتى اضطرت إلى التراجع، وأصبح جسدها محاصرًا بينه وبين الجدار. انخفض صوته، لكنه كان أشد وقعًا من الصراخ: _مسألتيش نفسك أنا متحملك ليه؟ ارتجفت شفتاها، وانهمرت دموعها. _عبدالرحمن... أنا حقيقي بحبك. غيرت عليك يا أخي. اقترب منها، وقال بمرارة: _وأنا بكرهك... حلو كده؟ مش طايق فيكي شعرة. ولولا سيليا، كنت زماني رميتك. هزّت رأسها بعجز، والدموع تغرق وجهها. _بس إنت مش هتعمل كده... مستحيل تعمل كده، صح؟ استرسلت باكية: _أنا عارفة إنك زهقت مني، والله ما أقصد أضايقك... بس أنا فعلًا حبيتك. قلبي مش بإيدي. ثم قبضت على يده وكأنها تتشبث بآخر شيءٍ يربطها به: _عبدالرحمن... إنت وعدتني إنك مش هتتخلى عني. نسيت وعودك ليا؟ زفر باختناق، وأشاح بعينيه عنها لحظة، قبل أن يسأل: _عايزة إيه يا ماسة؟ ارتمت في أحضانه وانفجرت في البكاء. _أنا تعبانة أوي... مش عايزة أرجع ماسة القديمة. من فضلك... متتخلاش عني. تصلّب جسده، ثم أبعدها عنه برفق، ونظر إلى عينيها الممتلئتين بالدموع. _وأنا أعمل إيه؟ رفعت عينيها إليه، وقالت برجاءٍ موجع: _أوعدك مش هقرب من خديجة... لو ده يرضيك. ابتسم بمرارة. _ما هو غصب عنك هتعملي كده، مش برضاكي. وأنا كنت صريح معاكي من الأول. هزّت رأسها وهي تبكي: _بس مكنتش بحبك... ثم اقتربت منه أكثر، وصوتها ينكسر: _إنت عايزني أعمل لك إيه تاني؟ عبدالرحمن، أنا محتاجاك... لو سمحت. وضعت كفّيها على وجهه، تتوسل إليه بعينيها قبل كلماتها: _حبني... لو نص حبك لخديجة. اقتربت منه محاولةً تقبيله، لكنه ابتعد عنها فورًا. _ماسة... خديجة دلوقتي مراتي. شهقت من وجع الكلمة. _وأنا... أنا مراتك زيها. _ماسة... قال اسمها وهو يمرر يده على وجهه، مستغفرًا في صمت، ثم تابع بصوتٍ حاسم: _لدرجة دي مش عايز تقرب مني علشانها؟ رفع عينيه إليها، وكانت إجابته قاطعة: _مستحيل... سمعتيني كويس، مستحيل. ابتلعت غصتها وقالت: _بس إنت كده مش عادل يا عبدالرحمــــــــن. رد بهدوءٍ موجع: _خلاص... أطلقك. تجمدت في مكانها.. ولكنه تابع حديثه _لو شايفاني ظالمك ومش عادل، أطلقك. وارجعي مكان ما كنتي... بس هترجعي لوحدك. ثم أضاف وهو ينظر إليها بثبات: _وأظن إنك فاهمة معنى كلامي. انهارت دموعها، وأسرعت تضع كفّيها على شفتيه، تهز رأسها بعنف. _لا... خلاص. أنا موافقة. ابتعد عنها وقال: _روحي خلي السواق يوصلك. أومأت بصمت، ورمقته بنظرة أخيرة طويلة، نظرة امرأةٍ أدركت أنها خسرت من بدأ القلب يشغله، بينما ظل عبدالرحمن يراقب خطواتها حتى اختفت عن عينيه. أخرج هاتفه واتصل بالسائق: _وصل مدام ماسة، واتأكد إنها دخلت البيت. _تحت أمرك يا بيه. ثم التفت إلى حارسه الشخصي: _مدام ماسة هترجع على البيت. عيونك عليها... وخلي مراتك تاخد بالها منها هناك، وراجعوا كل الحبوب اللي بتاخدها، ومتسيبوهاش لوحدها. _حاضر يا بيه. أنهى حديثه، وظل واقفًا للحظات... لكن قلبه لم يكن مع ماسة التي غادرت، ولا مع نفسه التي أنهكها كل هذا الصراع. كان خلف الباب المغلق. خديجته التي يعلم جيدًا أنها لم تقبل ماحدث جلس على المقعد، وأسند مرفقيه إلى ركبتيه، ثم مرّر كفّيه على وجهه بعنف، كأنه يحاول أن يطفئ ذلك الغضب المختلط بالعجز الذي اشتعل داخله. رفع عينيه إلى باب الغرفة المغلق. ظل يحدّق به لدقائق، لابد له ألا يترك فرصة لابتعادها،حتى لو غصبًا، يعلم أنها عنيدة، ولكن عشقه لها سيصمد أمام عنادها، نهض واتجه إليها بخطواتٍ ثقيلة يستعد لمعركته معها طرق الباب بهدوء _ديجا... افتحي الباب. عند خديجة، في الداخل، ما إن أغلقت خديجة الباب خلفه حتى هوت بجسدها إلى الأرض، وأسندت ظهرها إلى الباب، ثم وضعت كفّيها فوق شفتيها تخنق شهقاتها. بكت...وبكت حتى أوجعها البكاء. لم تكن تبكي لأنها لا تحبه، بل لأنها تحبه أكثر مما ينبغي، وأكثر مما يسمح لها قلبها أن تتجاهل الحقيقة التي تطاردها. هي الآن زوجته... لكنها، في نظرها، أخذته من امرأة أخرى. حتى لو كانت ماسة هي من اختارت هذا الزواج، وحتى لو كانت عدوّتها، لم تستطع خديجة أن تمنع ذلك الصوت داخلها من تأنيبها: أنتِ أصبحتِ زوجته... وأنتِ تعرفين أن له زوجة قبلك. جفّت دموعها، لكنها لم تتحرك من مكانها. حتى جاءها صوته من خلف الباب، حنونًا كما اعتادته، فارتجف قلبها من جديد. _خديجة... افتحي الباب. وضعت رأسها على الباب، وأغمضت عينيها، تبكي بصمت. كيف يمكن لصوته أن يظل بهذا الحنان، بينما هي لم تعد تشعر أنها تستحقه؟ _ديجا... ثم تغيّرت نبرته: _افتحي الباب هكسره... خديجة! انتفضت حين شعرت بقدمه تدفع الباب. مسحت بقايا دموعها سريعًا، ونهضت، ثم فتحت الباب. وقفت أمامه بعينين حمراوين، تخفي وجعها خلف ملامح جامدة. _عايزة أنام... رجاءً سبني على راحتي. دلف إلى الداخل وأغلق الباب خلفه بقدمه، ثم ظل ينظر إليها طويلًا، يقرأ في عينيها كل ما تحاول إخفاءه. اتجه إلى الداخل، وبدأ يفك أزرار قميصه الأبيض، ثم استدار إليها. _علشان منتعبش مع بعض... مفيش حد فينا هينام بعيد عن التاني. توقّف لحظة، وثبّت عينيه عليها. _حتى لو خناقات الدنيا كلها قامت بينا، إنتِ مراتي... ومكانك حضني. سمعتي ولا لأ؟ اتسعت عيناها بذهول، وكأن كلمته الأخيرة وخزت جرحًا مفتوحًا داخلها. _حتى لو مش عايزة أنام جنبك؟ نزع قميصه وألقاه جانبًا بضيق، وقد أشعلت كلماتها الغضب في صدره. _اتقي غضبي يا خديجة... علشان والله مهما قولتي، إنتِ مراتي. ثم أشار إلى السرير بنبرة لا تحتمل النقاش: _مكانك هنا على السرير. غير كده هتنامي وإنتِ واقفة... حتى الكنبة مش مسموح لك تنامي عليها. رفعت حاجبها بعنادٍ ضعيف تخفي خلفه ارتباكها: _أيوه بقى... ومين هيسمع الكلام ده؟ اقترب منها.. خطوة...ثم أخرى. حتى أصبح أمامها مباشرة. لم تنتبه إلى صدره العاري إلا عندما صار قريبًا منها بهذا الشكل، فتراجعت دون وعي حتى اصطدم ظهرها بالباب. رفع عينيه إليها. _سمعتي اللي قولته ولا لأ؟ ارتفعت أنفاسها، واختلطت رائحته بأنفاسها حتى شعرت أن رئتيها نسيتا كيف تتنفسان. حبست أنفاسها، وخفضت عينيها سريعًا. أما هو، فلم يبتعد. ظل يراقب ارتباكها، ثم رفع ذقنها برفق، يجبر عينيها على مواجهته. _مبترديش ليه؟ ابتلعت ريقها، وقالت بصوتٍ خافت: _موافقة... بس البس. ثم أبعدت عينيها عنه، وأضافت بصعوبة: _ومتفضلش كده. ابتعد عنها قليلًا، لكنه ظل ينظر إليها. فخرجت كلماتها التالية كأنها تنتزعها من قلبها انتزاعًا: _واتعامل معايا على إني متجوزاك علشان أمي وبس... مش علشان اللي في دماغك. توقف تمامًا. رفعت عينيها إليه، وكانت الدموع تلمع فيهما من جديد. _اقنع نفسك إنك متجوز جواز حقيقي واحدة بس... مراتك ماسة. ارتعشت شفتاها، لكنها أكملت، وكأنها تعاقب نفسها قبل أن يعاقبها أحد: _إنما أنا... فاعتبرني حالة خيرية. سقطت الكلمات بينهما ثقيلة. لم تنتظر رده. تحركت إلى الداخل سريعًا، تخفي وجهها عنه قبل أن يرى دموعها وهي تنساب من جديد. أما عبدالرحمن، فظل واقفًا مكانه للحظات، عاجزًا عن استيعاب أن المرأة التي انتظرها اثني عشر عامًا، والتي كانت منذ دقائق بين ذراعيه، ترى نفسها الآن مجرد حالة خيرية في حياته. بينما خديجة، وما إن ابتعدت عنه، حتى وضعت يدها فوق قلبها هامسةً لنفسها: سامحني يا قلبي... أنا بحبه. فما أقسى أن تعشق رجلًا، وكل ما فيك يصرخ بأنه لك، بينما الحقيقة القاسية تهمس: هو ليس لكِ وحدك. أن يكون أقرب الناس إلى قلبك، وأبعدهم عن حقك في أن تطلبي منه أن يكون لكِ وحدك... فتغارين، وتتألمين، ثم تلومين نفسك لأنكِ تغارين على رجلٍ تعرفين أن قلبك لم يعد يملكه وحده. ما أقسى أن تشتاقي إلى حضنه، ثم تدفعينه بعيدًا... أن ترتجف دقات قلبك حين يقترب، فتتظاهري بالقسوة حتى لا يفضحك عشقك. تريدين أن تقولي له: أنت لي. لكن شيئًا داخلك يصرخ: لا... ليس لكِ وحدك. وهنا يبدأ العذاب الحقيقي... أن تحبيه بكل ما فيك، ثم تعاقبيه على ذنبٍ لا تستطيعين أن تغفريه لنفسك؛ لأنه الرجل الذي تمنيتِ أن يكون لكِ وحدك، ثم وجدتِ نفسك مجبرة على اقتسامه. فتبقى عيناك عاشقتين، ولسانك قاسيًا، وقلبك يختنق بكل كلمة عتاب: لماذا أحببتك إلى هذا الحد، وأنا أعرف منذ البداية أنك لن تكون لي وحدي؟ فتحت الخزانة، تفاجأت بالثياب التي به قطبت جبينها، متى وكيف اتى بها الى هنا مررت أناملها بين الثياب تتفحصها وقلبها يؤلمها اكثر وأكثر، وقعت عيناها على قميصٍ شفاف باللون الأبيض يوضع فوق الاريكة وفوقه روبها تحركت اليه، مررت أناملها فوقه، ونزلت دمعة حين تذكرت أول ليلة زفاف لها قبل خمس سنوات بليلة زفافها من مروان دلفت جيهان اليها ووضعت ذاك الرداء فوق فراشها _متنسيش ياعروسة تلبسي وتتشيكي لعريسك... قاطعهم دلوف مروان التفتت اليه جيهان تربت على صدره _خلي بالك منها كويس يامروان، وبراحة عليها دنت وهمست له بعض الكلمات، ثم ألقت نظرة على خديجة وخرجت اقترب منها مروان وهي تفرك كفيها بتوتر ابتلعت ريقها وهمست بتقطع _مروان ممكن اطلب منك طلب كان ينظر اليها فقط، فقالت بخفوت _عايزاك تديني وقت لحد مااخد عليك، احنا اتجوزنا بسرعة وو وضع اصبعه على شفتيها، ثم سحبها متجها الى الفراش، جلس عليه وهي مازالت واقفة أخرج سجائره، وأشعل إحداها ببرودٍ لم تكن تعرف أنه يخفي خلفه عاصفة، ثم قال بنبرةٍ آمرة: _اخلعي دلوقتي وقدامي هنا... خليني أستمتع يا ديجة. تراجعت خطوة، تنظر إليه بفزعٍ ، بينما جف حلقها حتى خرج صوتها متقطعًا: _هدخل أغيّر في الحمام. استدارت سريعًا، وما إن خطت خطوة واحدة حتى جذبها إليه بعنف. _أنا أمرت... ناسية إني شريكك، وليا حق فيكي؟ تسمرت في مكانها. لم تسمع بقية كلماته بوضوح، فقد بدأت الأصوات من حولها تتلاشى، وكأن الغرفة أخذت تبتعد عنها شيئًا فشيئًا. وانسابت دموعها...من كلماته التي تحرقها، وشحب وجهها، حين وجدته ينزع حزام بنطاله، ويلفه حول كفيه يدور حولها، شعرت ببرودة تجتاح جسدها خرجت من ذكراها المأسوية تنتفض حين شعرت بذراع عبدالرحمن تحتضنها _اتأخرتي كدا ليه ارتجفت خديجة بعنف، واحتضنت نفسها كأنها تحاول أن تحمي جسدها من ذكرى عادت لتلتهمها، ثم همست بصوتٍ مكسور: _أسفة... اسفة، هلبسه واجي، مش هتأخر توقف يطالعها بصدمة وهو يرى الرعب الحقيقي في عينيها. وقبل أن يفهم، كان قد لمح القميص الأبيض يسقط من بين أصابعها. ابتعدت عنه بسرعة، وانحنت تلتقطه، وهي تتمتم دون أن تنظر إليه: _آسفة... هلبسه وأخرج بسرعة. ظل واقفًا مكانه، يتابعها في ذهول. كانت يداها ترتجفان.. أنفاسها متقطعة. وعيناها لا تجرؤان على مواجهته. رفعت بصرها إليه فجأة، وكأنها تستأذنه: _أغير هنا... ولا في الحمام؟ تجمد.. وكأن احدهم صفعه دون أن يفهم _مالك يا خديجة؟ اقترب منها خطوة، فانتفض جسدها وتراجعت تلقائيًا. وحين أمسك ذراعها برفق، انهارت آخر ذرة تماسك داخلها. _هلبسه وجاية... حاضر. هعمل اللي إنت عايزه... بس ماتأذنيش. توقفت أنفاسه.. يشعر بأن أحدهم غرس خنجرًا في صدره. _ماتأذنيش؟ ترك ذراعها فورًا، وكأنه خشي أن تكون يده نفسها تؤلمها. وظل ينظر إليها وهي تحتضن القميص إلى صدرها، مطرقة الرأس، ترتجف في صمت. _ديجة... لم تجبه. _حبيبتي... بصيلي. رفعت عينيها ببطء. وكانت تلك اللحظة كافية ليشعر أن شيئًا داخله قد تحطم. عيناها منتفختان من البكاء، وملامحها غارقة في خوفٍ لم يكن هو سببه وحده... لكنه الآن يقف أمامها، يحمل ذنبًا لم يفهمه بعد. اقترب منها بحذر، وسحبها بقوة لأحضانه ما إن ضمها إليه حتى انتفضت، ودفعته بعيدًا وهي تصرخ بكلماتٍ غير واضحة لكنه لم يغضب... من كلماتها ظل ثابتًا أمام انهيارها، حتى هدأت صرخاتها تدريجيًا، وتحول بكاؤها إلى شهقاتٍ متقطعة. رفع خصلات شعرها عن وجهها، وقال بصوتًا يرتجف: _حبيبتي... حاسة بإيه دلوقتي؟ لم تجبه.. فقال _خديجة عايزك تطمني انت في حضني دلوقتي، مفيش قوة تقدر تقرب منك، ولا أنا اقدر ااذيكي رفع ذقنها ينظر لعيناها الباكية _اهد الدنيا كلها علشانك مسحت دموعها بأطراف أصابعها، _زي ماهدتها زمان، قالتها ثم التفتت إلى ملابس النوم، سحبت بيجاما، واتجهت إلى الحمام. ظل يتابعها وقلبه يئن بالألم، حتى أُغلقت الباب وعندها فقط سمح لنفسه أن يتنفس. دار حول نفسه في الغرفة، يمرر يده فوق وجهه بعجز. ماذا حدث لها؟ ولماذا كانت تنظر إليه وكأنه أصبح فجأة شخصًا تخشاه؟ بعد دقائق، خرجت خديجة مرتدية ملابس النوم، عبارة عن بيجاما باكمام، وقد جمعت شعرها في فيونكة صغيرة. لم تنظر إليه.. اتجهت مباشرة إلى السرير، واستلقت على طرفه، واحتضنت نفسها كالجنين دخل الحمام، ثم خرج بعد دقائق. اقترب منها، وجلس إلى جوارها. _خديجة... قومي علشان نصلي. لم تجبه.. مسد على شعرها بحنان. _مش هسيبك إلا لما تقومي. خرج صوتها ضعيفًا، منهكًا: _أنا جسمي واجعني أوي... ابعد عني لو سمحت. سبني الليلة بس... لو سمحت. ظل ينظر إليها طويلًا. ثم نهض دون كلمة.. أدى صلاته وبعد وقتٍ قصير، عاد إليها. استلقى بجوارها، لكنه لم يقترب إلا بعد تردد.. ثم سحبها إليه برفق. كانت ساكنة تمامًا.. لا مقاومة... ولا اعتراض...ولا حتى تلك المشاكسة الصغيرة التي اعتادها منها. كانت بين ذراعيه كأن روحها في مكان آخر.. ادارها ثم رفع وجهها إليه. _خديجتي... لم تجبه.. ظل يتأملها طويلًا، ثم همس: _ممكن تقولي لحبيبك مالك؟ دفنت وجهها في صدره. حتى خرج صوتها مخنوقًا: _عبدالرحمن... إنت ليه عملت فيا كده؟ انعقد حاجباه، فلم يفهم. _عملت فيكي إيه يا خديجة؟ صمتت. فقال، وهو يظن أنها تتحدث عن زواجهما، _علشان بحبك يا خديجة... علشان إنتِ الوحيدة اللي قلبي بيموت فيها.. أغمضت عينيها، وانهمرت دمعة وحيدة على خدها، قبل أن تهمس بكلمةٍ خرجت من أعمق مكانٍ موجوع داخلها: _أنا بكرهك أوي يا عبدالرحمن... تجمد. ثم أكملت بصوتٍ خافت، كأنها تعاتبه للمرة الأخيرة قبل أن يغلبها النوم: _علشان سبتني...سبتهم يدبحوني همست بها وغفت. أما هو...فبقي مستيقظًا. ظل ينظر إلى وجهها طويلًا، يراقب أنفاسها التي انتظمت أخيرًا، بينما كانت كلمتها الأخيرة تدور في رأسه كأنها صرخة لا تنتهي: «علشان سبتني...سبتهم يدبحوني » مسد على خصلاتها وقبل جبينها كأنه يعتذر منها، ظل يتابع كل انش بها، كأنه يخشى أن يغلق عينيه فاذهب وضع رأسه بجوار رأسها، وقربها اليه حتى اختلطت انفاسهما، ورغم ماحدث لهما، الا أنه يشعر بالسعادة بأنها بهذا القرب اختل توازنه، فدنا وقبلها، ثم رفع رأسها الى صدره، يحاوطها بجسده، ليثبت لها دخلت عرينه، ولم يعد لها العودة بمنزل خالد ظلت تدور حول نفسها كالمجنونة، كلما تذكرت حفل الزفاف نظرت لخالد الذي يتحدث بالهاتف، عضت على اناملها تريد ان تفجر كل شيئا حولها انهى مكالمته واتجه اليها _شوفتي اللي حصل لم ترد عليه، فيكفي ماشعرت به اليوم، جلس على المقعد وقال _فاروق نزل بيع الورشة، بيقول مابقتش جايبة همها لم ترد، فرفع عينه اليها _مالك ياجيهان هنا التفت اليه _مالي... انت مشفتش الفضايح بتاعة النهاردة، شوفت الناس كانت بتبص علينا ازاي، اختك راحت اتجوزت واحد متجوز بفرح ملوكي، مرمطت سمعتنا بين الناس، انا كنت قاعدة مكسوفة، والكل بيشاور ازاي مطلقة ويتعملها فرح كدا جحظت عيناها حين تذكرت فستانها _انت تعرف الفستان اللي كانت لابساه دا بكام، دا بالدولار، ولا المكياج بتاعها _خلاص ياجيهان، سيبك منها، دلوقتي بقولك الورشة بتتباع _ماتتباع ولا تتحرق الورشة، بقولك اختك معمولها فرح بسعر المنطقة كلها، ومطلقة، امال لو كان اول بختها، اكيد عملت كدا علشان تقهرك وتقل بيك قدام الناس _ايه اللي بتقوليه دا، انت ناسية انها عزمتنا _جوزها يااخويا، وحتى لو هي، دي عملت كدا علشان تقولك انا بعمل اللي على كيفي ومالكش، دعوة بيا _انت عايزة ايه دلوقتي ياجيهان _تتصرف ياخالد، البت دي عيارها فلت، وبعدين عبدالرحمن اللي راجع ملونير دا هتسيبه كدا، لازم تدعبس وراه، وتشوف جاب الفلوس دي كلها منين، دا مقعدها بفيلا، احسن مكان في اسكندرية _طيب اهدي، انا عرفت ان مراته ابوها راجل غني اوي، وهو صاحب المؤسسات التعليمية الخاصة بالاطفال هنا، وكمان ليهم مدرسة خاصة توقفت تنظر اليه وتستمع باهتمام _ليه هي مراته اسكندرانية _لا... من القاهرة، بس ليها خال هنا، وخالها دا متجوز اخت مرات خال عبدالرحمن جلست على المقعد تستوعب مايقوله _يعني ايه _يعني البت دي من عيلة غياث الحداد هبت من مكانها _انت بتقول مين بمنزل حنان جلست تحمل طفلها وتتحدث مع زوجها _انا مش مصدقة اللي حصل النهاردة، معقول عبدالرحمن يعمل فرح كدا لخديجة ارتشف من قهوته وهو ينظر اليها _عبدالرحمن راجل اوي ياحنان، ومتنسيش هي اللي غدرت بيه _والله ولا غدرت ولا نيلة ياعادل، هي مرات اخوها ربنا ياخدها ونرتاح منها _لاحظتي حاجة النهاردة قطبت جبينها _ايه _مروان طليقها، شوفته واقف قدام القاعة ونظراته غريبة نهضت الى فراش طفلها، ووضعته ثم عادت الى زوجها _ربنا ياخده ياعادل بجد، واحد واطي، معرفش خرج من السجن ليه، مش كان محكوم عليه بعشر سنين _الفلوس ياحنان صباح اليوم التالي بمنزل خديجة وعبدالرحمن تملمت حين داعبتها اشعة الشمس رفرفت اهدابها عدة مرات، ورئحة عطره تستحوز على رئتيها، حتى فتحت عيناها، وجدت نفسها بين احضانه، ذراعيه حول جسدها، وكذلك ساقيه، كأنه جسده سجن يحتجزها به رفعت يدها تبعد يده فقال بصوت خافت _صباح الخير رفعت رأسها اليه _ابعد يابني ادم، ايه اللي انت عامله دا رفع رأسها لتصبح عيناها بمقابلة عينه _عامل ايه، وبعدين دي صباح الخير بتاعتك سحبت ساقيها بخجل وقالت _وسع كدا انت لازق فيا كدا ليه اقترب من اذنيها _لو اقدر افتح قلبي وادفنك جواه ومحدش يشوفك غيري هعملها ارتجف قلبها بنبضات صاخبة من قربه ونظراته حتى اتفاسه الممزوجة براحة عطره وسجائره وقعت عيناها على مطفأة السجائر فوق الكومودينو، علمت انه لم ينام طيلة الليلة _انت منمتش هز رأسه وعيناه تسبح بكل تفاصيلها _انام ازاي ومااستمعتش بانك جوا حضني _معقول... لسة صاحي سند بذقنه فوق رأسها _انت تعرفي انا لحد دلوقتي مش مصدق اننا اتجوزنا ابتعدت عنه بعدما استمعت الى صوت سيليا بالخارج _بابي... بابي افتح الباب نظر للمسافة التي ابتعدت ثم نادى على سيليا _ادخلي حبيبة بابي دلفت الصغيرة تركض اليه _ايه دا كله.. اصحى بقى، سيليا عايزة تنزل البول قبلت وجنتيها، ثم اشار على خديحة _مش تقولي لديجا صباح الخير _صباح الخير ياديجا فجأة شهقت الصغيرة _انت نمتي مع بابي، ثم اتجهت بنظرها اليه _مش انت قولت بتحب تنام لوحدك على السرير، ازاي ديجا نامت جنبك نهض وحملها وقال حتى يغير مجرى الحديث _يلا على البول بسرعة، وأنا هقول لديجا حاجة سر وجاي ركضت الصغيرة، بينما اتجه لجلوسها، وانحنى يطبع قبلة فوق شفتيها _صباح الخير خديجتي قالها وتحرك للحمام... بينما ظلت كما هي بمنزل مروان كانت تجلس امامه _مستعدة اساعدك واعمل اي حاجة في الدنيا، المهم البت دي تطلق منه _انت بتكرههيها اوي كدا ليه _بعدين اقولك... اتصرف، انا اعرف انك حويط، ودايما بتعمل حاجات ممتعة نهض من مكانه واتجه الى مقعدها، ثم انحنى وحاوط جسدها _عجباني اوي ياجيهان، بعشق الست الشرسة... ومادام كلامنا بالمفتشي ماتيجي نجرب مع بعض للحظة شعرت بالنفور والاشمئزاز، ولكنها رسمت ابتسامة _تطلق خديجة، واوعدك بعد عدتها هرجعهالك مط شفتيها وقرب كفيها يلمس كتفها، انتفضت بجلوسها _مروان... اعتدل ثم سحب سجائره _قولي مطلوب مني ايه بعد عدة ايام كانت تجلس مع والدتها تطعمها بالحديقة _المكان هنا حلو اوي، منظر البحر رائع والمكان هادي، عاجبك ياماما اومأت وقالت _عبد الرحمــــــــن مش هنا ابتعدت بنظراتها عن والدتها وتذكرت ليلة الامس بعدما رفضت النوم بجواره، لأنها لم تعد تتحمل قربه، قربه يؤلمها تشعر بأنها تأخذ حقًا ليس حقها، وخاصة بعد اعترافه بعشقه المميت لها، وفقامت بتهديده ان لم يتركها، لتغادر دون أن يعلم مكانها، ولذلك ترك لها الغرفة، منذ ذاك الوقت لم تراه همست دون وعي _يمكن تلاقيه في البيت التاني، حتى سيليا قومت الصبح مالقتهاش مدت فاتن كفيها على رأس ابنتها _بيحبك... انسي وقربي من جوزك دمعت عيناها وقالت _بس مش ملكي ياماما، انا خطفته من مراته وبنته، لازم يفكر فيهم رفعت رأسها لوالدتها _أنا بحبه أوي ياماما، بحبه لدرجة بخاف من نفسي ومن طمعي وضعت رأسها على حجر والدتها _مش عايزة اتعلق بيه اكتر ماانا متعلقة، خايفة ياماما، خايفة اتفاجئ يسبني تاني قاطعهم ركض سيليا اليها وهو خلفها _ديجا ديجا... نظرت الى قدومه، رفرف قلبها من هيئته، تقسم أن هذا الرجل تعشقه بكل نفسًا تستنشقه وصل الى جلوسهم _ازيك ياطنط فاتن _الحمدلله يابني نطقتها فاتن بتقطع اتجه بنظره الى خديجة _هسافر يومين، خلي بالك من سيليا انتفضت بجلوسها _مسافر فين وليه لم يرد سوى ببعض الكلمات _شغل... قالها وتحرك من امامها، ركضت خلفه، ولكنها توقفت حين وجدته متجها الى سيارته وليس للخارج وصلت سيليا اليها _ديجا... عايزة تشكوليت، بابي قال عندك تشكوليت جلست أمامها _سيلي... هو بابي كان عند مامي هزت رأسها بالايجاب وقالت _اه... مامي قالت خد سيليا لديجا علشان هي تسافر مع بابي بعيد اوي اوي، وقالت تشتري العاب كتير نظرت للطفلة وانسايت دموعها رغما عنها _مسافر مع مامتك، وفرحنا لسة مكملش اسبوع هزت الصغيرة كتفيها بجهل، ثم ركضت للداخل، بينما جلست خديجة على الارضبة تحدث نفسها _زعلانة ليه، انت صدقتي نفسك، انه ملكك، انت زي ماقالت جيهان خطفتيه من مراته، واقنعي نفسك زي مابتحاولي تقنعيه، اتجوزتيه علشان امك وبس بقلم سيلا وليد ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ نذهب بعيدًا بعيدًا جدا لاول مرة مدينة لندن استمع الى طرقات على باب مكتبه _غسان بيه فاضي اشار له بالدخول، دلف الرجل المسؤل عن أعماله _اسف ياباشا، اتأخرت عليك _سامعك _نزلت مصر واتأكدت بنفسي _امممم... قول سامعك _عبدالرحمن الديب اتجوز امبارح طالعه يفهم مايقوله _مش فاهم _اتجوز واحدة تانية غير ماسة هانم ارتفعت ضحكاته، حتى نهض من مكانه _اوووه... اتجوز تاني دي الاخبار الحلوة، ولكنه توقف حين نزل الرجل بنظراته للاسفل _مالك، ماتتكلم لم يقو الرجل على رفع عينيه فقال _ماسة هانم عارفة... _انت بتقول ايه؟! هز الرجل رأسه وتابع حديثه _بنتهم مع مراته الجديدة ياباشا ارتفعت انفاسه، فاشار اليه بالخروج _اطلع برة _لسة فيه معلومة مهمة _ماسة هانم كانت هنا من يومين، وعرفت انها راحت لمراد _غياث الحداد لسة مفيش اخبار جديدة _لسة ياباشا، بس الدكاترة بيقولوا مجرد وقت ابعد عيناه عنه وتسائل بنبرة مؤلمة: _اتأكدت من موضوع انه كتب كل حاجة لعبدالرحمن _للاسف ياباشا، كله حتى املاكه اللي في مصر، بس فيه ورقة لسة في ايدنا، مراد على مااظن مايعرفش اللي بيحصل _خلي الراجل اللي بيراقب مراد ياخد باله منه، مش عايز حد يأذيه _تحت أمرك ياباشا عاد بجسده على المقعد _ابعت تهنئة لعبدالرحمن لازم نهنيه _بس اشار له بالخروج دون أضافة بقلم سيلا وليد مساء بالأسكندرية ارتدت ملابسها، وخرجت للبحر، جلست فوق صخرة تنظر لامواجه، كأنها تحكي للبحر كل ما عجزت عن قوله لأحد، وتنتظر منه أن يعيد إليها أمها... وطمأنينتها... وقلبها الذي لم يعد يحتمل المزيد. بينما بالداخل دلف بعض الرجال ذو البنية الضخمة وحملوا فاتن الغافية بنومها، واخذوا الممرضة المسؤلة عنها، مضت ساعات وخديجـــــــــة لم تشعر بالوقت نظرت لهاتفها، تمنت لو انه هاتفها، حتى لو بكلمة واحدة، ولكن لم يحدث، هذا الهاتف اللعين مازال مظلمًا نهضت من مكانها واتجهت لمنزلها، صعدت الى غرفتها حين وجدت غرفة امها مظلمة، ظنت انها غافية وخاصة عدم وجود الممرضة بالخارج فتحت باب غرفتهما ببطء، فما إن خطت إلى الداخل حتى استقبلتها رائحته التي تعرفها أكثر مما تعرف أي شيءٍ آخر... رائحته التي مازالت تسكن قلبها اقتربت من المقعد، حين وجدت ملابسه، ومدّت يدها تسحب قميصه إليها، ثم رفعته إلى وجهها وأغمضت عينيها، تستنشق رائحته بولهٍ يشبه العناق. _ عبدالرحمن... خرجت الكلمة من أعماق قلبها قبل أن تبلغ شفتيها، كأن اسمه ترنيمة تطرب قلبها قبل أذنيها، وضمت القميص إلى صدرها كأنها تضمه هو، كأن ذراعيها وجدتا أخيرًا شيئًا يخفف عنهما قسوة غيابه. ثم تمددت فوق الفراش، واحتضنت القميص بقوة، وأغمضت عينيها... متخيلةً أن ذراعيه تحيطان بها، وأن صوته قريب، وأن قلبه ما زال هنا، إلى جوار قلبها. ومضى الليل ببطء، حتى أطل الصباح... استيقظت على أصابع صغيرة تعبث بوجهها. _ديجا... اصحي. فتحت عينيها بتثاقل، لتجد سيليا جالسة أمامها، تحدق بها بابتسامة طفولية. تأملتها خديجة للحظات، وكأنها تبحث في ملامح الصغيرة عن شيءٍ منه... عيناه، ابتسامته، لقد اشتاقت اليه حد الجنون،حتى بدأت تبحث عن ملامحه بكل مايربطه ثم لم تستطع منع نفسها، فرفعت الصغيرة، إلى صدرها واحتضنتها بقوة. _تعالي في حضني شوية. ضحكت سيليا، ثم طبعت قبلة صغيرة على خدها وقالت ببراءة: _أنا بحبك... بابي قالي حبي ديجا كتير، علشان هو بيحبني كتير. توقفت أنفاس خديجة للحظة. أبعدتها قليلًا، تحدق في وجهها، تخشى أن تكون قد سمعت خطأ. _بابي قالك كده؟ أومأت الصغيرة بحماس. _آه... وقال لمامي: أنا بحب خديجة كتيير. لمعت عينا خديجة بالدموع، وارتجف قلبها من كلمة لم تكن تعرف أنها ستؤلمها بهذا القدر. _بابي... قال لمامي كده؟ هزت سيليا رأسها، غير مدركة أن كلماتها الصغيرة أشعلت في قلب خديجة شوقًا بحجم العمر كله. وقبل أن تستطيع أن تسألها المزيد، دوّى طرقٌ متعجل على الباب. _مدام خديجة! الحقيني بسرعة! انتفضت من مكانها، ووضعت سيليا جانبًا، ثم اندفعت إلى الخارج. وجدت الخادمة أمامها، وملامحها مذعورة. _في إيه؟ قالت وهي تلتقط أنفاسها: _مامتك مش موجودة... ووداد الممرضة، حد ضربها على دماغها! تجمد الدم في عروقها. _أمي؟! لم تنتظر إجابة. ركضت إلى الأسفل كالمجنونة، وقلبها يرتطم بأضلاعها بعنف، حتى وقعت عيناها على وداد ملقاة على الأريكة، بين الوعي والغيبوبة. انحنت إليها، وأمسكت كتفيها بيدين ترتجفان. _أمي فين؟! أمي فين يا وداد؟! فتحت وداد عينيها بصعوبة، وتمتمت بصوتٍ واهن: _معرفش... ناس ضربوني... وقالولي أقولك إن أمك عند أخوكي... شعرت خديجة بالأرض تنسحب من تحت قدميها. اتسعت عيناها، وشحب وجهها حتى بدا وكأن الحياة قد غادرت ملامحها دفعةً واحدة. _عند... أخويا؟ خرجت الكلمة هامسة، مرتجفة، ثم انقلب الهمس إلى شهقة اختنقت بها. لم تحتج سوى دقيقة واحدة لتستوعب ما حدث... ثم انطلقت.. وصعدت الدرج مسرعة، تكاد تتعثر من شدة ارتباكها، بدلت ثيابها دون أن تشعر بما ترتديه وصلت بعد قليل إلى منزل اخيها، كانت جيهان تجلس في الحديقة بأعصابٍ باردة، ترتشف قهوتها باستمتاع على أنغام أغنيتها المفضلة، وكأنها لم تكن قد ارتكبت جري.مة، بل خرجت من أصعب مسابقة في حياتها منتصرة. هتفت خديجةبصوتًا جعلته متماسكًا لحد ما: _أمي فين يا جيهان؟ رفعت جيهان رأسها ببطء، ثم ابتسمت ابتسامة مستفزة وهي تضع فنجانها جانبًا. _قصدك حماتي؟ أممم... ليه؟ اقتربت منها خديجة، وانحنت حتى أصبحت عيناها في مواجهة عينيها، وقالت بصوتٍ اختنق بالقهر: _وحياة عذاب السنين اللي فاتت... لأبكيكِ على نفسك يا مرات أخويا. مالت جيهان إلى الخلف، ثم وضعت ساقًا فوق الأخرى في برودٍ متعمد. _خفتِ أنا صح؟ رفعت خديجة عينيها إليها، وكان الخوف على أمها قد تحول داخلها إلى نار. _وأنا بقولك... وحياتك عندي يا أخت جوزي، لأقهرك. نهضت جيهان من مقعدها، وتوقفت أمامها، ثم قالت بسخرية: _شوفتي جوازك الأول؟ ده ولا حاجة... اصبري بس عليَّ. في لحظة واحدة، اندفعت يد خديجة إلى شعرها وجذبته بعنف. _أمي فين يا حيواااانة؟! جاء صوت خالد من خلفهما كالرعد: _خديجة! دَفعت جيهان بعيدًا عنها واستدارت إليه، وما إن وقعت عيناها عليه حتى خانتها دموعها، رغم كل ما حاولت إخفاءه. _أمي فين يا خالد؟ اقترب منها بخطوات غاضبة، وقبل أن تستوعب ما يحدث، ارتفعت يده وصفعت وجهها. شهقت خديجة، ووضعت كفيها على وجنتيها، ثم رفعت عينيها إليه والدموع تملأهما. فقالت بصوت مكسورًا، ساخرًا من رجلٍ لم يعد يعني لها شيئًا: _مش مستغربة... ماهو الراجل اللي يبقى دلدول لمراته يعمل أكتر من كده. اشتعلت عيناه. _أنتِ فعلًا بنت قليلة الأدب! اقتربت منه خطوة، وغرست عيناها بعينيه _أنت مت بالنسبالي من يوم ما مضيت على قسيمة جوازي من واحد نشاز، وباتفاق مع مراتك. ثم اقتربت خطوة أخرى، وصوتها يرتجف من الغضب: _ملعون الدم اللي يحمله أخوه، لما الإخوات يبيعوا بعض عشان واحدة زي دي. خطوة ثالثة... _ربنا ينتقم منك أنت ومراتك، ومنتظرة عدل ربنا فيكم. ثم أشارت نحو جيهان دون أن تنظر إليها: _وقول للحيزبونة مراتك... أمي خط أحمر. وأنا سمعتني كويس، أمي خط أحمر! مسحت دموعها بعنف، وأكملت: _وبكرة عبدالرحمن يرجع يا خالد، وهقوله على كل قذارتك أنت ومراتك. صاح خالد: _امشي يا بت! اطلعي برة! ثم أضاف بسخرية: _بتخوفيني بعبدالرحمن بتاعك؟ دي أمي... وخليه يقدر يقرب منها. تراجعت خديجة خطوة، وهزت رأسها بأسى _يا أسفي على الرجولة... استدارت لتغادر، لكن صوت جيهان أوقفها: _استني... أنا هطلع أحسن منك. التفتت خديجة إليها. ابتسمت جيهان بشماتة: _خالد مستعد يرجع لك أمك... بس ترجعي له هيبته اللي دوستي عليها، بعد ما رحتي اتجوزتي من وراه. اقتربت منها وهمست: _ترجعي الحارة... بيت أبوكي... وتطلقي من عبدالرحمن. تجمدت خديجة لحظة. ثم عادت إليها بخطوة واحدة، وبصقت في وجهها، وقالت من بين أسنانها: _أمي... ولا عبدالرحمن... مش هسيبهم عشانك. ثم استدارت وغادرت، والدموع تنهمر على وجهها بلا توقف. في مكانٍ آخر... خرج عبدالرحمن من المشفى، وما إن رن هاتفه حتى ابتسم تلقائيًا حين أضاءت شاشته باسمها. رفع الهاتف وهو يسير: _لا، ما تقوليش وحشتك... لو أعرف كده كنت سافرت من زمان. لكن ابتسامته اختفت حين جاءه صوتها من الطرف الآخر مختنقًا بالبكاء: _عبدالرحمن... أنا محتاجاك. توقف في منتصف خطواته. _خديجة؟ صمت ثانية، ثم قال بقلقٍ مفاجئ: _إنتِ بتعيطي؟! إيه اللي حصل؟ جاءه صوتها بشهقات متقطعة: _أمي... خالد خد أمي. تجمد في مكانه. وكأن الجملة لم تمر عبر أذنه، بل سقطت مباشرةً فوق قلبه. اشتدت قبضته حول الهاتف، وانتفرت عروق يده، لكنه حاول السيطرة من الغضب و الهدوء: _يعني إيه خد أمك؟ _أمي يا عبدالرحمن... أنا عايزة أمي. أغمض عينيه لحظة، يبتلع غضبه، ثم قال بنبرة هادئة: _ماتعيطيش يا حبيبتي... أنا هتصرف. هحجز وأكون عندك خلال ساعات. _أنا خايفة... تكسرت الكلمة في صوتها، فشعر بقلبه ينخلع من مكانه. _أنا جي لك يا خديجتي... سامعاني؟ أنا جي لك. ظل يهمس لها ببعض الكلمات حتى هدأت شهقاتها قليلًا، ثم لمح ماسة تقترب منه. _كويس إننا عرفنا ناخد موعد بعد يومين... أغلق عبدالرحمن الهاتف، والتفت إليها. _أنا نازل مصر دلوقتي. اتسعت عيناها بدهشة: _إنت اتجننت؟! هتنزل مصر إزاي؟! لم يجبها، بل بدأ يسير سريعًا. _كملي إنتِ... أنا لازم أنزل مصر حالًا. ركضت خلفه حتى وقفت أمامه: _عبدالرحمن، بتهزر؟! أمسك بذراعيها، وعيناه تحملان خوف على حبيبته _مراتي لوحدها ومحتاجاني. ثم ترك ذراعيها وأضاف بحسم: _كملي إنتِ، واعملي اللي إنتِ عايزاه. تحرك بخطوات سريعة، وأخرج هاتفه واتصل بمدير أعماله: _اتصرف لي في طيارة حالًا... حتى لو هتحجز طيارة خاصة. جاءه الصوت من الطرف الآخر بقلق: _فيه حاجة حصلت ولا إيه؟