الفصل الحادي عشر طعم في يدا أليفة بقلم سيلا وليد
_لدرجة دي مش عايز تقرب مني علشانها؟
رفع عينيه إليها، وكانت إجابته قاطعة:
_مستحيل… سمعتيني كويس، مستحيل.
ابتلعت غصتها وقالت:
_بس إنت كده مش عادل يا عبدالرحمــــــــن.
رد بهدوءٍ موجع:
_خلاص… أطلقك.
تجمدت في مكانها.. ولكنه تابع حديثه
_لو شايفاني ظالمك ومش عادل، أطلقك. وارجعي مكان ما كنتي… بس هترجعي لوحدك.
ثم أضاف وهو ينظر إليها بثبات:
_وأظن إنك فاهمة معنى كلامي.
انهارت دموعها، وأسرعت تضع كفّيها على شفتيه، تهز رأسها بعنف.
_لا… خلاص. أنا موافقة.
ابتعد عنها وقال:
_روحي خلي السواق يوصلك.
أومأت بصمت، ورمقته بنظرة أخيرة طويلة، نظرة امرأةٍ أدركت أنها خسرت من بدأ القلب يشغله، بينما
ظل عبدالرحمن يراقب خطواتها حتى اختفت عن عينيه.
أخرج هاتفه واتصل بالسائق:
_وصل مدام ماسة، واتأكد إنها دخلت البيت.
_تحت أمرك يا بيه.
ثم التفت إلى حارسه الشخصي:
_مدام ماسة هترجع على البيت. عيونك عليها… وخلي مراتك تاخد بالها منها هناك، وراجعوا كل الحبوب اللي بتاخدها، ومتسيبوهاش لوحدها.
_حاضر يا بيه.
أنهى حديثه، وظل واقفًا للحظات…
لكن قلبه لم يكن مع ماسة التي غادرت، ولا مع نفسه التي أنهكها كل هذا الصراع.
كان خلف الباب المغلق.
خديجته التي يعلم جيدًا أنها لم تقبل ماحدث
جلس على المقعد، وأسند مرفقيه إلى ركبتيه، ثم مرّر كفّيه على وجهه بعنف، كأنه يحاول أن يطفئ ذلك الغضب المختلط بالعجز الذي اشتعل داخله.
رفع عينيه إلى باب الغرفة المغلق.
ظل يحدّق به لدقائق، لابد له ألا يترك فرصة لابتعادها،حتى لو غصبًا، يعلم أنها عنيدة، ولكن عشقه لها سيصمد أمام عنادها، نهض واتجه إليها بخطواتٍ ثقيلة يستعد لمعركته معها
طرق الباب بهدوء
_ديجا… افتحي الباب.
عند خديجة، في الداخل، ما إن أغلقت خديجة الباب خلفه حتى هوت بجسدها إلى الأرض، وأسندت ظهرها إلى الباب، ثم وضعت كفّيها فوق شفتيها تخنق شهقاتها.
بكت…وبكت حتى أوجعها البكاء.
لم تكن تبكي لأنها لا تحبه، بل لأنها تحبه أكثر مما ينبغي، وأكثر مما يسمح لها قلبها أن تتجاهل الحقيقة التي تطاردها.
هي الآن زوجته…
لكنها، في نظرها، أخذته من امرأة أخرى.
حتى لو كانت ماسة هي من اختارت هذا الزواج، وحتى لو كانت عدوّتها، لم تستطع خديجة أن تمنع ذلك الصوت داخلها من تأنيبها:
أنتِ أصبحتِ زوجته… وأنتِ تعرفين أن له زوجة قبلك.
جفّت دموعها، لكنها لم تتحرك من مكانها.
حتى جاءها صوته من خلف الباب، حنونًا كما اعتادته، فارتجف قلبها من جديد.
_خديجة… افتحي الباب.
وضعت رأسها على الباب، وأغمضت عينيها، تبكي بصمت.
كيف يمكن لصوته أن يظل بهذا الحنان، بينما هي لم تعد تشعر أنها تستحقه؟
_ديجا…
ثم تغيّرت نبرته:
_افتحي الباب هكسره… خديجة!
انتفضت حين شعرت بقدمه تدفع الباب.
مسحت بقايا دموعها سريعًا، ونهضت، ثم فتحت الباب.
وقفت أمامه بعينين حمراوين، تخفي وجعها خلف ملامح جامدة.
_عايزة أنام… رجاءً سبني على راحتي.
دلف إلى الداخل وأغلق الباب خلفه بقدمه، ثم ظل ينظر إليها طويلًا، يقرأ في عينيها كل ما تحاول إخفاءه.
اتجه إلى الداخل، وبدأ يفك أزرار قميصه الأبيض، ثم استدار إليها.
_علشان منتعبش مع بعض… مفيش حد فينا هينام بعيد عن التاني.
توقّف لحظة، وثبّت عينيه عليها.
_حتى لو خناقات الدنيا كلها قامت بينا، إنتِ مراتي… ومكانك حضني. سمعتي ولا لأ؟
اتسعت عيناها بذهول، وكأن كلمته الأخيرة وخزت جرحًا مفتوحًا داخلها.
_حتى لو مش عايزة أنام جنبك؟
نزع قميصه وألقاه جانبًا بضيق، وقد أشعلت كلماتها الغضب في صدره.
_اتقي غضبي يا خديجة… علشان والله مهما قولتي، إنتِ مراتي.
ثم أشار إلى السرير بنبرة لا تحتمل النقاش:
_مكانك هنا على السرير. غير كده هتنامي وإنتِ واقفة… حتى الكنبة مش مسموح لك تنامي عليها.
رفعت حاجبها بعنادٍ ضعيف تخفي خلفه ارتباكها:
_أيوه بقى… ومين هيسمع الكلام ده؟
اقترب منها.. خطوة…ثم أخرى.
حتى أصبح أمامها مباشرة.
لم تنتبه إلى صدره العاري إلا عندما صار قريبًا منها بهذا الشكل، فتراجعت دون وعي حتى اصطدم ظهرها بالباب.
رفع عينيه إليها.
_سمعتي اللي قولته ولا لأ؟
ارتفعت أنفاسها، واختلطت رائحته بأنفاسها حتى شعرت أن رئتيها نسيتا كيف تتنفسان.
حبست أنفاسها، وخفضت عينيها سريعًا.
أما هو، فلم يبتعد.
ظل يراقب ارتباكها، ثم رفع ذقنها برفق، يجبر عينيها على مواجهته.
_مبترديش ليه؟
ابتلعت ريقها، وقالت بصوتٍ خافت:
_موافقة… بس البس.
ثم أبعدت عينيها عنه، وأضافت بصعوبة:
_ومتفضلش كده.
ابتعد عنها قليلًا، لكنه ظل ينظر إليها.
فخرجت كلماتها التالية كأنها تنتزعها من قلبها انتزاعًا:
_واتعامل معايا على إني متجوزاك علشان أمي وبس… مش علشان اللي في دماغك.
توقف تمامًا.
رفعت عينيها إليه، وكانت الدموع تلمع فيهما من جديد.
_اقنع نفسك إنك متجوز جواز حقيقي واحدة بس… مراتك ماسة.
ارتعشت شفتاها، لكنها أكملت، وكأنها تعاقب نفسها قبل أن يعاقبها أحد:
_إنما أنا… فاعتبرني حالة خيرية.
سقطت الكلمات بينهما ثقيلة.
لم تنتظر رده.
تحركت إلى الداخل سريعًا، تخفي وجهها عنه قبل أن يرى دموعها وهي تنساب من جديد.
أما عبدالرحمن، فظل واقفًا مكانه للحظات، عاجزًا عن استيعاب أن المرأة التي انتظرها اثني عشر عامًا، والتي كانت منذ دقائق بين ذراعيه، ترى نفسها الآن مجرد حالة خيرية في حياته.
بينما خديجة، وما إن ابتعدت عنه، حتى وضعت يدها فوق قلبها هامسةً لنفسها:
سامحني يا قلبي… أنا بحبه.
فما أقسى أن تعشق رجلًا، وكل ما فيك يصرخ بأنه لك، بينما الحقيقة القاسية تهمس: هو ليس لكِ وحدك.
أن يكون أقرب الناس إلى قلبك، وأبعدهم عن حقك في أن تطلبي منه أن يكون لكِ وحدك…
فتغارين، وتتألمين، ثم تلومين نفسك لأنكِ تغارين على رجلٍ تعرفين أن قلبك لم يعد يملكه وحده.
ما أقسى أن تشتاقي إلى حضنه، ثم تدفعينه بعيدًا…
أن ترتجف دقات قلبك حين يقترب، فتتظاهري بالقسوة حتى لا يفضحك عشقك.
تريدين أن تقولي له: أنت لي.
لكن شيئًا داخلك يصرخ: لا… ليس لكِ وحدك.
وهنا يبدأ العذاب الحقيقي…
أن تحبيه بكل ما فيك، ثم تعاقبيه على ذنبٍ لا تستطيعين أن تغفريه لنفسك؛ لأنه الرجل الذي تمنيتِ أن يكون لكِ وحدك، ثم وجدتِ نفسك مجبرة على اقتسامه.
فتبقى عيناك عاشقتين، ولسانك قاسيًا، وقلبك يختنق بكل كلمة عتاب:
لماذا أحببتك إلى هذا الحد، وأنا أعرف منذ البداية أنك لن تكون لي وحدي؟