الفصل الحادي عشر طعم في يدا أليفة بقلم سيلا وليد
بقلم سيلا وليد
مساء بالأسكندرية
ارتدت ملابسها، وخرجت للبحر، جلست فوق صخرة تنظر لامواجه،
كأنها تحكي للبحر كل ما عجزت عن قوله لأحد، وتنتظر منه أن يعيد إليها أمها… وطمأنينتها… وقلبها الذي لم يعد يحتمل المزيد.
بينما بالداخل دلف بعض الرجال ذو البنية الضخمة وحملوا فاتن الغافية بنومها، واخذوا الممرضة المسؤلة عنها، مضت ساعات وخديجـــــــــة لم تشعر بالوقت
نظرت لهاتفها، تمنت لو انه هاتفها، حتى لو بكلمة واحدة، ولكن لم يحدث، هذا الهاتف اللعين مازال مظلمًا
نهضت من مكانها واتجهت لمنزلها، صعدت الى غرفتها حين وجدت غرفة امها مظلمة، ظنت انها غافية وخاصة عدم وجود الممرضة بالخارج
فتحت باب غرفتهما ببطء، فما إن خطت إلى الداخل حتى استقبلتها رائحته التي تعرفها أكثر مما تعرف أي شيءٍ آخر… رائحته التي مازالت تسكن قلبها
اقتربت من المقعد، حين وجدت ملابسه، ومدّت يدها تسحب قميصه إليها، ثم رفعته إلى وجهها وأغمضت عينيها، تستنشق رائحته بولهٍ يشبه العناق.
_ عبدالرحمن…
خرجت الكلمة من أعماق قلبها قبل أن تبلغ شفتيها، كأن اسمه ترنيمة تطرب قلبها قبل أذنيها، وضمت القميص إلى صدرها كأنها تضمه هو، كأن ذراعيها وجدتا أخيرًا شيئًا يخفف عنهما قسوة غيابه.
ثم تمددت فوق الفراش، واحتضنت القميص بقوة، وأغمضت عينيها… متخيلةً أن ذراعيه تحيطان بها، وأن صوته قريب، وأن قلبه ما زال هنا، إلى جوار قلبها.
ومضى الليل ببطء، حتى أطل الصباح…
استيقظت على أصابع صغيرة تعبث بوجهها.
_ديجا… اصحي.
فتحت عينيها بتثاقل، لتجد سيليا جالسة أمامها، تحدق بها بابتسامة طفولية.
تأملتها خديجة للحظات، وكأنها تبحث في ملامح الصغيرة عن شيءٍ منه… عيناه، ابتسامته، لقد اشتاقت اليه حد الجنون،حتى بدأت تبحث عن ملامحه بكل مايربطه
ثم لم تستطع منع نفسها، فرفعت الصغيرة، إلى صدرها واحتضنتها بقوة.
_تعالي في حضني شوية.
ضحكت سيليا، ثم طبعت قبلة صغيرة على خدها وقالت ببراءة:
_أنا بحبك… بابي قالي حبي ديجا كتير، علشان هو بيحبني كتير.
توقفت أنفاس خديجة للحظة.
أبعدتها قليلًا، تحدق في وجهها، تخشى أن تكون قد سمعت خطأ.
_بابي قالك كده؟
أومأت الصغيرة بحماس.
_آه… وقال لمامي: أنا بحب خديجة كتيير.
لمعت عينا خديجة بالدموع، وارتجف قلبها من كلمة لم تكن تعرف أنها ستؤلمها بهذا القدر.
_بابي… قال لمامي كده؟
هزت سيليا رأسها، غير مدركة أن كلماتها الصغيرة أشعلت في قلب خديجة شوقًا بحجم العمر كله.
وقبل أن تستطيع أن تسألها المزيد، دوّى طرقٌ متعجل على الباب.
_مدام خديجة! الحقيني بسرعة!
انتفضت من مكانها، ووضعت سيليا جانبًا، ثم اندفعت إلى الخارج.
وجدت الخادمة أمامها، وملامحها مذعورة.
_في إيه؟
قالت وهي تلتقط أنفاسها:
_مامتك مش موجودة… ووداد الممرضة، حد ضربها على دماغها!
تجمد الدم في عروقها.
_أمي؟!
لم تنتظر إجابة.
ركضت إلى الأسفل كالمجنونة، وقلبها يرتطم بأضلاعها بعنف، حتى وقعت عيناها على وداد ملقاة على الأريكة، بين الوعي والغيبوبة.
انحنت إليها، وأمسكت كتفيها بيدين ترتجفان.
_أمي فين؟! أمي فين يا وداد؟!
فتحت وداد عينيها بصعوبة، وتمتمت بصوتٍ واهن:
_معرفش… ناس ضربوني… وقالولي أقولك إن أمك عند أخوكي…
شعرت خديجة بالأرض تنسحب من تحت قدميها.
اتسعت عيناها، وشحب وجهها حتى بدا وكأن الحياة قد غادرت ملامحها دفعةً واحدة.
_عند… أخويا؟
خرجت الكلمة هامسة، مرتجفة، ثم انقلب الهمس إلى شهقة اختنقت بها.
لم تحتج سوى دقيقة واحدة لتستوعب ما حدث…
ثم انطلقت.. وصعدت الدرج مسرعة، تكاد تتعثر من شدة ارتباكها، بدلت ثيابها دون أن تشعر بما ترتديه