الفصل الحادي عشر طعم في يدا أليفة بقلم سيلا وليد
وصلت بعد قليل إلى منزل اخيها،
كانت جيهان تجلس في الحديقة بأعصابٍ باردة، ترتشف قهوتها باستمتاع على أنغام أغنيتها المفضلة، وكأنها لم تكن قد ارتكبت جري.مة، بل خرجت من أصعب مسابقة في حياتها منتصرة.
هتفت خديجةبصوتًا جعلته متماسكًا لحد ما:
_أمي فين يا جيهان؟
رفعت جيهان رأسها ببطء، ثم ابتسمت ابتسامة مستفزة وهي تضع فنجانها جانبًا.
_قصدك حماتي؟ أممم… ليه؟
اقتربت منها خديجة، وانحنت حتى أصبحت عيناها في مواجهة عينيها، وقالت بصوتٍ اختنق بالقهر:
_وحياة عذاب السنين اللي فاتت… لأبكيكِ على نفسك يا مرات أخويا.
مالت جيهان إلى الخلف، ثم وضعت ساقًا فوق الأخرى في برودٍ متعمد.
_خفتِ أنا صح؟
رفعت خديجة عينيها إليها، وكان الخوف على أمها قد تحول داخلها إلى نار.
_وأنا بقولك… وحياتك عندي يا أخت جوزي، لأقهرك.
نهضت جيهان من مقعدها، وتوقفت أمامها، ثم قالت بسخرية:
_شوفتي جوازك الأول؟ ده ولا حاجة… اصبري بس عليَّ.
في لحظة واحدة، اندفعت يد خديجة إلى شعرها وجذبته بعنف.
_أمي فين يا حيواااانة؟!
جاء صوت خالد من خلفهما كالرعد:
_خديجة!
دَفعت جيهان بعيدًا عنها واستدارت إليه، وما إن وقعت عيناها عليه حتى خانتها دموعها، رغم كل ما حاولت إخفاءه.
_أمي فين يا خالد؟
اقترب منها بخطوات غاضبة، وقبل أن تستوعب ما يحدث، ارتفعت يده وصفعت وجهها.
شهقت خديجة، ووضعت كفيها على وجنتيها، ثم رفعت عينيها إليه والدموع تملأهما.
فقالت بصوت مكسورًا، ساخرًا من رجلٍ لم يعد يعني لها شيئًا:
_مش مستغربة… ماهو الراجل اللي يبقى دلدول لمراته يعمل أكتر من كده.
اشتعلت عيناه.
_أنتِ فعلًا بنت قليلة الأدب!
اقتربت منه خطوة، وغرست عيناها بعينيه
_أنت مت بالنسبالي من يوم ما مضيت على قسيمة جوازي من واحد نشاز، وباتفاق مع مراتك.
ثم اقتربت خطوة أخرى، وصوتها يرتجف من الغضب:
_ملعون الدم اللي يحمله أخوه، لما الإخوات يبيعوا بعض عشان واحدة زي دي.
خطوة ثالثة…
_ربنا ينتقم منك أنت ومراتك، ومنتظرة عدل ربنا فيكم.
ثم أشارت نحو جيهان دون أن تنظر إليها:
_وقول للحيزبونة مراتك… أمي خط أحمر. وأنا سمعتني كويس، أمي خط أحمر!
مسحت دموعها بعنف، وأكملت:
_وبكرة عبدالرحمن يرجع يا خالد، وهقوله على كل قذارتك أنت ومراتك.
صاح خالد:
_امشي يا بت! اطلعي برة!
ثم أضاف بسخرية:
_بتخوفيني بعبدالرحمن بتاعك؟ دي أمي… وخليه يقدر يقرب منها.
تراجعت خديجة خطوة، وهزت رأسها بأسى
_يا أسفي على الرجولة…
استدارت لتغادر، لكن صوت جيهان أوقفها:
_استني… أنا هطلع أحسن منك.
التفتت خديجة إليها.
ابتسمت جيهان بشماتة:
_خالد مستعد يرجع لك أمك… بس ترجعي له هيبته اللي دوستي عليها، بعد ما رحتي اتجوزتي من وراه.
اقتربت منها وهمست:
_ترجعي الحارة… بيت أبوكي… وتطلقي من عبدالرحمن.
تجمدت خديجة لحظة.
ثم عادت إليها بخطوة واحدة، وبصقت في وجهها، وقالت من بين أسنانها:
_أمي… ولا عبدالرحمن… مش هسيبهم عشانك.
ثم استدارت وغادرت، والدموع تنهمر على وجهها بلا توقف.
في مكانٍ آخر…
خرج عبدالرحمن من المشفى، وما إن رن هاتفه حتى ابتسم تلقائيًا حين أضاءت شاشته باسمها.
رفع الهاتف وهو يسير:
_لا، ما تقوليش وحشتك… لو أعرف كده كنت سافرت من زمان.
لكن ابتسامته اختفت حين
جاءه صوتها من الطرف الآخر مختنقًا بالبكاء:
_عبدالرحمن… أنا محتاجاك.
توقف في منتصف خطواته.
_خديجة؟
صمت ثانية، ثم قال بقلقٍ مفاجئ:
_إنتِ بتعيطي؟! إيه اللي حصل؟
جاءه صوتها بشهقات متقطعة:
_أمي… خالد خد أمي.
تجمد في مكانه.
وكأن الجملة لم تمر عبر أذنه، بل سقطت مباشرةً فوق قلبه.
اشتدت قبضته حول الهاتف، وانتفرت عروق يده، لكنه حاول السيطرة من الغضب و الهدوء:
_يعني إيه خد أمك؟
_أمي يا عبدالرحمن… أنا عايزة أمي.
أغمض عينيه لحظة، يبتلع غضبه، ثم قال بنبرة هادئة:
_ماتعيطيش يا حبيبتي… أنا هتصرف. هحجز وأكون عندك خلال ساعات.
_أنا خايفة…
تكسرت الكلمة في صوتها، فشعر بقلبه ينخلع من مكانه.
_أنا جي لك يا خديجتي… سامعاني؟ أنا جي لك.
ظل يهمس لها ببعض الكلمات حتى هدأت شهقاتها قليلًا، ثم لمح ماسة تقترب منه.
_كويس إننا عرفنا ناخد موعد بعد يومين…
أغلق عبدالرحمن الهاتف، والتفت إليها.
_أنا نازل مصر دلوقتي.
اتسعت عيناها بدهشة:
_إنت اتجننت؟! هتنزل مصر إزاي؟!
لم يجبها، بل بدأ يسير سريعًا.
_كملي إنتِ… أنا لازم أنزل مصر حالًا.
ركضت خلفه حتى وقفت أمامه:
_عبدالرحمن، بتهزر؟!
أمسك بذراعيها، وعيناه تحملان خوف على حبيبته
_مراتي لوحدها ومحتاجاني.
ثم ترك ذراعيها وأضاف بحسم:
_كملي إنتِ، واعملي اللي إنتِ عايزاه.
تحرك بخطوات سريعة، وأخرج هاتفه واتصل بمدير أعماله:
_اتصرف لي في طيارة حالًا… حتى لو هتحجز طيارة خاصة.
جاءه الصوت من الطرف الآخر بقلق:
_فيه حاجة حصلت ولا إيه؟