الخامس عشر قسم أول طعم في يدا اليفة بقلم سيلا وليد
لم يكن يريد أن تمر دقيقة واحدة وهي بعيدة عنه. شعرت بدقات قلبه تحت كفيها، فلم تعارضه.
استلقت بين ذراعيه، وما إن حرر خصلاتها من رباطها حتى انسابت فوق كتفيها، فدفن وجهه بينها، مستنشقًا عبيرها، وكأنه يحاول أن يقنع نفسه بأنها هنا بالفعل، وأنها ليست حلمًا آخر سيستيقظ منه وحيدًا.
ضمها إليه وأغمض عينيه، ثم همس بصوت خافت أنهكه الشوق:
_ ممكن ننسى أي حاجة يا خديجة؟ انسي كل اللي حوالينا، وانسي حتى إحنا بنعمل إيه… افتكري حاجة واحدة بس، إنك في حضن حبيبك.
رفع عينيه إليها، ثم سألها بصوت يحمل رجاءً خفيًا:
_ مش أنا حبيبك يا خديجة؟
تأملته في صمت، ثم رفعت يدها إلى شعره الأسود، تمرر أناملها بين خصلاته بحنان، وكأنها تربت على قلبه قبل رأسه.
_ أنتَ حبيبي يا عبد الرحمن.
توقفت أنفاسه لوهلة.
كم تمنى أن يسمع تلك الكلمة حين تخرج منها! وكم مرة تخيلها في وحدته، حتى صار صداها في ذاكرته أمنية لا تفارقه.
رفع رأسه إليها، وابتسم ابتسامة مؤلمة، ثم أمسك يدها وقبّل باطن كفها.
_ طب قوليها تاني.
ضحكت بخجل، وهي تحاول سحب يدها.
_ أنتَ طفل؟
_ معاكي أنا عايز أبقى طفل يا خديجة.
اختفت ابتسامتها تدريجيًا، وأحاطت وجهه بكفيها، تنظر إليه بعينين امتلأتا حبًا.
_ أنتَ جبتني معاك الشغل ليه؟
جذبها نحوه حتى استقرت رأسها فوق صدره.
_ علشان عايزك معايا في كل مكان أروحه. مش عايزك تبعدي عني تاني. كفاية اللي ضاع مننا يا خديجة… خمس سنين مش شوية. خمس سنين كنت بصحى وأنام وأنا حاسس إن في حتة مني اتدفنت ومش هترجع.
توقفت أصابعها بين خصلات شعره.
هل تألم بالفعل لفراقهما؟ أخذت تتأمل ملامحه، محاولة استشفاف حقيقة مشاعره من نظراته ولهفته.
أكملت تمرير كفها فوق شعره، ثم انحنت نحوه قليلًا، وسألته:
_ هو فيه واحد يحب كده ويروح يتجوز في أول سنة؟ طيب، أنا كنت مجبرة…
اعتدل جالسًا، ومسح وجهه بيده في ضيق، ثم رفع نظراته إليها.
_ عايزة إيه يا خديجة؟
_ عايزة أعرف الحقيقة يا عبد الرحمن. أنتَ مخبي عليَّ إيه؟ في الأول كنت مقتنعة إن دي حياتك ومن حقك، لكن قربك مني و…
سحبت نظراتها عنه بخجل، فلم يمنحها فرصة للهرب من الحديث، بل أدار وجهها إليه برفق.
_ أنتِ حب عمري.
_ متقولش حب عمرك يا عبد الرحمن، الكلمة دي كبيرة أوي.
تنهد بضيق، وقال:
_ وبعدين بقى معاكي؟ ليه كل ما أتكلم تطلعي بمليون حجة؟