السابع عشر من طعم في يدا أليفة بقلم سيلا وليد

ظل جالسًا خلف المقود، يحدق أمامه بعينين زائغتين، قبل أن يرفع يده إلى وجهه، ويدفن ملامحه بين كفيه.
وللمرة الأولى منذ وقت طويل، لم يحاول أن يبدو قويًا، ولم يحاول أن يقنع نفسه بأنه تجاوزها.
ترك دموعه تنساب في صمت، وانحنى فوق المقود، كأن قلبه لم يعد قادرًا على حمل المزيد.
فبعض الخيانات لا تقتل الحب…
بل تتركه حيًا في الصدر، يتعذب صاحبه به كل يوم، حتى يصبح أكثر الأشياء التي يتمنى لو استطاع نسيانها، وأصعبها على النسيان.

بينما في الأعلى، داخل غرفة عبدالرحمن…
دفعها بقوة حتى هوت على الفراش، فشهقت خديجة، ورفعت عينيها إليه بصدمة، لا تصدق تلك الحالة التي وصل إليها.
وقف أمامها، تتلاحق أنفاسه، وعيناه تقدحان شررًا، ثم صاح بها:
_أنا قولت لك إيه؟!
اعتدلت في جلستها، تنظر إليه بذهول، قبل أن تقول بانفعال:
_عبدالرحمن، إنت مش شايف نفسك عامل إزاي؟!
ضرب براحته على الفراش بجوارها، فانتفضت من شدة الصوت، وصاح مجددًا:
_أنا قولت إيه؟! ليه مبتسمعيش الكلام؟! ليه دايمًا بتعاندي؟! ليه رأيي مالوش أي قيمة عندك؟!
_أنا خوفت تؤذوا بعض!
_وإنتِ مالك؟! مالك نأذي بعض ولا نموت بعض؟!
اندفع نحوها، وقبض على خصلات شعرها يجذبها بعنف، فتأوهت متألمة، وارتفعت يداها تمسكان بمعصمه محاولة إبعاده.
_عبدالرحمن، شعري… بتوجعني!
لكن كلمتها لم تصل إليه ؛ فقد كانت كلمات غسان لا تزال تتردد داخل رأسه، تحرق روحه قبل قلبه، وتزيد غيرته اشتعالًا كلما تذكر نظراته إليها وحديثه عن جمالها.
مراتك فاتنة الجمال…
مستعد ارمي نفسي في النار علشان نظرة من عيونها.
أفلت شعرها أخيرًا، لكنه ظل يحدق بها بنظرات لم تعهدها منه من قبل، حتى شعرت خديجة بالخوف يتسلل إلى قلبها، فتراجعت إلى الخلف، تحاول أن تبتعد عن تلك العاصفة التي لا تعرف كيف توقفها.
_عبدالرحمن، إنت مالك؟! أنا عملت إيه لكل ده؟!
لم يجبها، بل اقترب منها مجددًا، وكأن كلمات غسان قد أعمت بصيرته، فلم يعد يرى أمامه سوى رجل تجرأ على الاقتراب من زوجته، والتحدث عن جمالها وكأنه يملك الحق في ذلك.
انحنى نحوها فجأة، وقبّلها بشراسة، بينما كانت يداه تقبضان على جسدها بعنف، في محاولة محمومة لفرض قربها منه، وكأن غيرته لن تهدأ إلا إذا أسكتت كل ما يعصف برأسه.
حاولت خديجة دفعه عنها، تضرب صدره بكفيها، وتدير وجهها بعيدًا، لكنه لم يستجب
كانت أنفاسها متقطعة، وعيناها غارقتين بالدموع، تنظر إليه برعب لم ترَ له مثيلًا من قبل.
_عبدالرحمن، متعملش كده!
خرج صوتها مرتجفًا، وهي تتراجع عنه، تحاول أن تستعيد أنفاسها.
_عبدالرحمن، أرجوك… متخلنيش أكرهك!
توقفت حركته فجأة.
تجمد في مكانه، وكأن كلماتها صفعته بقوة، وانتزعته من جنونه
حدق بها، فرأى دموعها، وارتجاف شفتيها، والطريقة التي ضمت بها المفرش إلى جسدها، وكأنها تحتمي به منه.
اتسعت عيناه، وتراجع إلى الخلف مذهولًا، بينما بدأ يستوعب ما فعله.. يرى شفتيها التي جرحت واثار قبلاته على جسدها الذي كشف… حاول أن يبتلع ريقه ولكنه حاد كالاشواك
_خديجة…
خرج اسمها من بين شفتيه مبحوحًا، لكنه لم يستطع إكمال حديثه.
سحبت خديجة المفرش بسرعة، وغطت به جسدها، ثم ضمته إليها بقوة، وانسابت دموعها بصمت موجع.
لم تنظر إليه، ولم تحاول الاقتراب منه، بل انكمشت على نفسها، وكأنها لم تعد تعرف كيف تتعامل مع الرجل الذي تعشقه
أما هو، فظل متسمّرًا في مكانه، ينظر إلى يديه، ثم إليها، وكأن عقله يرفض تصديق أنه هو من جعلها تبكي بهذه الطريقة.. وتختبأ منه خلف الغطاء

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!