السابع عشر من طعم في يدا أليفة بقلم سيلا وليد

(أنا آسف يا مدام خديجة، أتمنى ما تكونيش اتضايقتي.)
هزت خديجة رأسها دون أن تنطق، وعيناها معلقتان بزوجها، تحاول فهم ذلك التحول المخيف الذي أصابه.
لكن عبدالرحمن لم يحتمل حتى تلك الكلمات المهذبة، وكأن مجرد وجودها أمام غسان يمثل طعنة في قلبه.
قبض على يدها بقوة، وسحبها خلفه نحو المنزل، بينما تعالت ضحكة غسان من ورائهما.
_I’m leaving. We can talk when you calm down. Thanks for your hospitality.

(أنا همشي، ونبقى نتكلم لما تهدى. شكرًا على الضيافة.)

قالها وهو يتجه نحو سيارته، ثم ألقى نظرة أخيرة على عبدالرحمن الذي لم يلتفت إليه، بل واصل خطواته السريعة، يجر خديجة خلفه، وكأن بقاءها في المكان ثانية أخرى قد يدفعه إلى ارتكاب ما لا يُحمد عقباه.
تحركت ماسة خلف غسان، حتى توقفت أمام سيارته، تراقبه وهو يحاول إزالة الدماء عن فمه بمنديل أخرجه من جيبه.
ظل منشغلًا بما يفعل للحظات، قبل أن يرفع عينيه إليها، فتوقفت حركته فجأة.
تأملها طويلًا، بنظرة غامضة اختلط فيها الوجع بالغضب والاحتقار، ثم أطلق ضحكة ساخرة
_إيه رأيك؟ عجبك الحبيب اللي خونتيني معاه؟
تجمدت ملامحها، بينما تابع وهو يشير بيده نحو المنزل:
_شفتي عمل إيه علشان بس شافها، شاف مراته واقفة قدام راجل تاني، كان مستعد يقتلني بإيده!
اقترب منها خطوة، وعيناه تستقران على وجهها بحدة.
_طب قوليلي يا ماسة، هو فين الحبيب ده من حياتك؟ ولا الحب اللي خنتيني عشانه مات
انقبض قلبها، لكنها رفعت ذقنها بعناد
_بحبه يا غسان.
توقفت ملامحه للحظة، ثم أطلق ضحكة مريرة، كأن كلمتها أعادت فتح جرح ظن أنه تعلّم كيف يخفيه.
_يبقى تستاهلي المكانة اللي حطك فيها.
اقترب أكثر، وصوته يزداد قسوة مع كل كلمة:
_الخاين ما ينفعش معاه غير الخاينة. إنتِ اللي اخترتِ تبقي بالمكانة دي.
دنا منها خطوة أخرى، وأطبق بعينيه على عينيها
_تعرفي كان بيقول على حبيبته إيه؟ كان مستعد يرمي نفسه في النار، بس علشان يشوف نظرة من عينيها! تخيلي.. الراجل اللي إنتِ بتحبيه بالشكل ده، قلبه مع واحدة غيرك، ومستعد يحرق الدنيا علشانها!
توقف لحظة، ثم التفت إلى المنزل، قبل أن يعيد نظره إليها.
_بس الحق يتقال… هي تستاهل.
ارتسمت على وجهه ابتسامة مستفزة، ثم هز رأسه كأنه تراجع عن رأيه فجأة.
_لا، استني… إنتوا الاتنين زي بعض. ما هي كمان خانته قبل كده، مش كده؟ يعني إيه اللي يمنعها تخونه تاني؟ زي ما إنتِ خنتيني بالظبط!
تغيرت ملامح ماسة، وارتجفت شفتاها، اقترب منها حتى لم يعد يفصل بينهما سوى مسافة صغيرة.
مد ذراعه، وأحاط خصرها بيده، جاذبًا إياها نحوه، وراحت عيناه تتفحصان وجهها بعنف، يبحث عن أثر المرأة التي أحبها يومًا، فلا يجد سوى الغريبة التي حطمت قلبه.
_وشك اتغير كده ليه؟ إيه، زعلانة؟ يا ترى زعلانة علشان هو بيحبها أكتر منك؟ ولا علشان اكتشفتي إنك مهما عملتِ، ومهما حاولتِ، عمرك ما هتاخدي مكانها في قلبه؟
حاولت الابتعاد، لكنه شدها نحوه للحظة، وأكمل بصوت خافت، يحمل من المرارة ما يفوق صراخه:
_شوفتي الفرق بيني وبينه إيه؟ فاكرة كنت بعاملك إزاي؟ الدنيا كلها كانت في كفة، وإنتِ لوحدك في كفة تانية. كنتِ عندي أهم من نفسي، وكنت مستعد أخسر الدنيا كلها علشانك
دفعت يده عن خصرها، وقالت بصوت مضطرب:
_غسان، لو سمحت… أنا قلت لك كتير، وإنت مش راضي تسمعني. أنا مكنتش شايفاك غير أخ!
قهقه ساخرًا، ثم ابتعد عنها خطوة، وأشار إلى شفتيها بنظرة موجعة.
_أخ؟ هو فيه أخ بيبوس أخته يا ماسة؟
تصلبت في مكانها.
وبلا وعي، ارتفعت أناملها إلى شفتيها، تمررها فوقهما كأنها تستعيد ذكرى قبلاته التي محتها من ذاكرتها، مهما حاولت إقناع نفسها بأنها لم تكن تعني لها شيئًا.
راقبها غسان، فخفتت سخريته للحظة، وارتجف شيء في أعماقه.
كم تمنى أن ينظر إلى عينيها فيجد فيهما ندمًا حقيقيًا، أن يسمع منها كلمة واحدة تعيد إليه بعضًا مما فقده، أن تقول له إنها أخطأت، وإن قلبها لم يكن يومًا قادرًا على محو كل ما جمعهما.
لكنه لم يجد سوى الصمت.
رفع عينيه إلى عينيها، وقال بصوت خفيض، خرج مثقلًا بالوجع:
_عمري ما هسامحك على كسرة قلبي، ولا هسامحه هو على اللي عمله فيا… حتى لو كان اللي بيني وبينه انتهى من زمان، وحتى لو كنت أنا اللي اخترت أبعد.
توقف، وابتلع غصة حارقة، ثم انحنى نحوها حتى صار صوته همسًا بجوار شفتيها، من دون أن يلمسهما.
_هخليكم إنتوا الاتنين تدوقوا معنى الخيانة اللي دوقتوني منها. وإنتِ… إنتِ هتدوقيها من دلوقتي.
اتسعت عيناها، فابتعد قليلًا، ثم رفع بصره إلى المنزل
_أكيد دلوقتي فهمتي أخدها كده ليه، وبيعمل فيها إيه! علشان اتجنن لما قلت له إن مراته فاتنة الجمال، وإن عيونها تخطف القلب.
عاد ينظر إلى ماسة، وقد اشتدت القسوة في ملامحه.
_تخيلي بقى لو طلّقها! لو سابها، وبقت لوحدها، من غيره… ساعتها هتعرفي إن مش كل واحدة بنغير منها لازم نكسرها بإيدينا، ساعات بنكون إحنا السبب في وجعها من غير ما نلمسها.
صمت لحظة، ثم مط شفتيه بسخرية، وتراجع إلى الخلف.
_وإنتِ كمان، هعرفك إزاي تعيشي كل لحظة بندم، بعد ما يطلّقك حبيبك اللي ضحيتِ بيا علشانه.
اقترب منها مرة أخيرة، وانحنى قليلًا حتى استقرت عيناه في عينيها، ثم همس:
_هعرفك إزاي تبيعي قلبًا حبك بصدق، وتغدري بيه بعد كل الحب ده… هخليكي تفتكري كل لحظة كنت فيها بحبك، وكل مرة اخترتك فيها على نفسي، لحد ما تيجي اللحظة اللي تتمني فيها لو الزمن يرجع، وتلاقيني أنا اللي مش عايز أرجعلك.
ارتجفت شفتاها، وشعرت بأن الكلمات التي حبستها طويلًا بدأت تخنقها، لكنها لم تستطع إخراج حرف واحد.
أما هو، فقد أمال رأسه قليلًا، وطبع قبلة عابرة على وجنتها، قبلة بدت أقرب إلى الوداع منها إلى الحنان، ثم ابتعد عنها وهو يقول:
_سلام يا بنت عمي.
استدار سريعًا، وفتح باب سيارته، ثم جلس خلف المقود وانطلق بها، دون أن يمنح نفسه فرصة للنظر إليها مرة أخرى.
لكن ما إن ابتعد عن المنزل واختفى عن أنظارها، حتى انهارت القسوة التي ارتداها كدرع طوال الدقائق الماضية.
ارتخت أصابعه فوق المقود، وانخفض رأسه قليلًا، بينما راحت أنفاسه تتقطع في صدره.
رفع عينيه إلى المرآة، فرأها لا تزال واقفة في مكانها، تتابع سيارته بعينين جامدتين،
وفي اللحظة التي التقت فيها عيناه بعينيها عبر المرآة، خانته دمعة.
تدحرجت على خده ببطء، فمسحها بعنف، كأنه غاضب من نفسه لأنها خرجت رغم كل ما حاول إخفاءه.
_غبي… لسه بتوجعك!
تمتم بها لنفسه، ثم ضغط على المقود حتى ابيضت مفاصل أصابعه.
لقد أراد أن يجرحها كما جرحته، وأن يجعلها تتذوق مرارة الخذلان الذي عاشه بسببها، لكنه اكتشف أن الانتقام لم يمنحه الراحة التي تخيلها، وأن رؤيتها أمامه لم تكن انتصارًا كما أقنع نفسه.
فكل كلمة قالها لها كانت تخفي وراءها صرخة لم يسمعها أحد، وكل نظرة قاسية كانت تستر رجاءً أخيرًا بأن تناديه، أن توقفه، أن تقول له إنها لم تنسَ الرجل الذي أحبها يومًا بكل ما فيه.
لكنها لم تفعل.
وهو أيضًا لم يمنحها فرصة.
ظل يقود بلا وجهة، تتنقل عيناه بين الطريق والمرآة
لم يكن يعرف إلى أين يذهب، ولم يكن يعنيه أن يعرف.
كل ما أراده أن يبتعد عن المكان الذي شهد انكساره، وعن المرأة التي أحبها أكثر مما ينبغي، وعن نفسه التي لم تستطع، رغم كل الغضب، أن تتوقف عن حبها.
وبعد وقت لا يعرف كم امتد، أبطأ سيارته أخيرًا، ثم توقف في مكان غريب لم يعرفه من قبل.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!