وصل عبدالرحمن إلى منزله برفقة فاتن، بينما خديجة قد غلبها التعب من البكاء، فغفت فوق الأريكة، تحتضن نفسها بذراعيها وكأنها تحاول أن تحمي قلبها من كل ما حدث. وفي الحديقة، كانت ماسة تجلس وتتحدث مع صديقتها ميرنا عبر الهاتف _لا، رجعينا مصر... علشان الزفتة مراته. على الجانب الآخر، سحبت ميرنا كوبها من فوق الرخامة، ثم اتجهت إلى المقعد وجلست، تتابع حديثها مع ماسة _بقولك إيه... أنا عندي حل يخلصك من اللي اسمها خديجة. تنهدت ماسة بضيق، وقالت بمرارة: _متحاوليش يا ميرنا... ده بيعشقها بطريقة مجنونة. ده هددني لو قربت منها، وقال لي هيروح يحكي لغسان كل حاجة. ضحكت ميرنا بسخرية. _متصدقيش... والله متصدقيش. هو لو عايز يقوله كان قال من يومها. بس اللي هيجنني لحد دلوقتي... إزاي معرفتيش إنك حامل وقتها؟ انقبض وجه ماسة، وكأن الكلمة أعادت إليها ذكرى تحاول دفنها منذ سنوات. _اسكتي والنبي... متفكرينيش. _فاكرة قولت لك ايه على عبدالرحمن اول ماشفته _تقول ايه واحدة غبية، كان زمنا دلوقتي غير ضحكت ميرنا وقالت _كفاية عليكي ليلة حلوة _اخرصي انت كمان، ضحكا الاثنتان أنهت المكالمة سريعًا، وأغلقت هاتفها بعد أن قالت بصوت خافت: _أنا هقفل عربية عبدالرحمن دخلت الفيلا وأدخل الفيلا. _اجري.. اجري، متنسيش بس الاغراء يابرنسيسة وانت تجبيه على وشه، واكيد الليلة هتحن اغلقت تسبها تنظر الى نزوله من السيارو ف قد ترجل من سيارته، واتجه مباشرة إلى فاتن. رآها غارقة في نومٍ متقطع، وملامح الإرهاق والانكسار واضحة على وجهها، فشعر بوخزة مؤلمة في صدره. انحنى وحملها برفق،، ثم وضعها على المقعد. فتحت عينيها بصعوبة، وما إن رأته حتى ارتجف صوتها: _عبدالرحمن... خالد كويس وضعها بمقعدها _كويس ياخالتي هو عمل في خديجة حاجة. تجمد للحظة، ثم اشتعل الغضب في عينيه. _كان خليه يعمل... وأنا كنت دفنته بإيدي. ارتجفت شفتاها، وانهمرت دموعها، بينما خفت غضبه فجأة حين رأى انهيارها أمامه. جلس على ركبتيه أمامها، وأمسك كفيها بين يديه. _يا خالتي... مينفعش اللي ابنك بيعمله ده. هو الواد ده حصله إيه؟ إزاي قدر يوصل بيه الحال لكده؟ لم تجبه. ظلت تبكي، وكأن الكلمات عجزت عن وصف الألم الذي يسكن قلبها. شد عبدالرحمن على كفيها بحنان، وقال بصوت أكثر هدوءًا: _أنا عايزك ترجعي زي الأول... لازم تخفي فيه دكتور سمعت عنه كويس جدًا في القاهرة. ارتاحي النهارده، وبكرة نروح له سوا. خالتي... لازم تخفي، علشان خديجة حتى. رفعت عينيها إليه، وسألته بصوت متقطع: _بتحبها أوي كده؟ خرجت منه زفرة طويلة موجعة، كأن السؤال أصاب أكثر نقطة حساسة في قلبه. خفض عينيه إلى يديها، ثم قال بصوت خافت: _نفسي... تثق إنها أغلى من روحي. نظرت إليه فاتن طويلًا، ثم ربتت على كفيه بحنان أم _هي كمان... بتحبك. ارتسمت ابتسامة على وجهه، ابتسامة لم تستطع أن تخفي كم كان محتاجًا لسماع تلك الجملة. نهض بهدوء، ودفع المقعد إلى الداخل، بينما اقتربت ماسة منهما، وقالت بابتسامة مصطنعة: _حمد لله على سلامتك يا طنط بالداخل وقعت عيناه عليها تغفو فوق الاريكة، تحركت ماسة بجواره تعقد ذراعيها _كانت عايزة تمشي، وانا امرت البواب يمنعها التفت اليها عبدالرحمن سريعا _انت مين علشان تعملي كدا، ازاي تقرري اعتدلت وتوقفت امامه _تصدق بالله انا غلطانة اصلا، ماتموت انت ولا هي... انا راجعة بيتي قالتها وتحركت للخارج، بينما دفع مقعد فاتن الى نوم خديجة _خديجة.. خديجة، رددتها فاتن، فتحت عيناها، ثم هبت من نومها _ماما... قالتها ونهضت سريعا تضمها وتبكي بصوت مرتفع _عمل فيكي حبيبتي، كنت خايفة عليكي اوي نادى عبدالرحمن على الممرضة، ثم أشار إليها نحو فاتن: — خليكي مع طنط لحد ما تنام. ثم التفت إلى فاتن، بصوتٍ هادئ: — محتاجة مني حاجة؟ ابتسمت له بإرهاق، وهزّت رأسها: — لا يا حبيبي... خد مراتك معاك، أنا هنام. لم يجبها. اكتفى بأن رفع عينيه إلى خديجة. التقت عيناهما للحظة واحدة، كانت كافية لأن تشعر خديجة بكل ما عجزت عن قوله طوال اليوم... فخفضت بصرها إلى الأرض. استدار عبدالرحمن وصعد إلى غرفته دون كلمة، بينما جلست خديجة إلى جوار والدتها، ومدّت يدها تمسح على شعرها بحنان. — إنتِ كويسة يا ماما؟ خالد عمل فيكي حاجة؟ هزّت فاتن رأسها بالنفي، فاقتربت خديجة منها، وطَبعت قبلة طويلة على جبينها. — ربنا يخليكي ليا يا رب... ربّتت فاتن على كتفها، ثم تمتمت بتقطّع: — قومي... روحي لجوزك. لكنها دفعت المقعد إلى جوار الفراش، وجلست بجوارها — أطمن عليكي الأول. دثرتها بالغطاء، ثم بقيت إلى جوارها، تراقب ملامحها بصمت، تخشى أن تغمض عينيها فتفقدها من جديد. ربّتت فاتن على كفيها وقالت بوهن: — قومي حبيبتي... روحي لجوزك. وبلاش اللي بتعمليه في نفسك... عبدالرحمن بيحبك ياخديجة لم تجبها خديجة.. بل خلعت حذاءها، وتمددت إلى جوارها، ثم تسللت إلى أحضانها دفنت وجهها في صدر أمها، وهمست بصوتٍ مرتجف: — كنت هموت عليكي يا ماما... خفت جيهان تعمل فيكي حاجة. مررت فاتن يدها على ظهرها بحنان. — أنا كويسة... ثم غلبها أثر المهدئات، واستسلمت للنوم. رفعت خديجة رأسها، تطالع وجه أمها النائم، وهمست والدموع تلمع في عينيها: — عايزة أنام في حضنك الليلة... لكنها لم تكن تعرف إنها ذهبت بنومها، ظلت تراقبها ماذا كانت ستفعل لو لم ينجح عبدالرحمن في إعادتها؟ ارتجف قلبها لمجرد التفكير. وعندها تذكّرته. نهضت بهدوء، واتجهت إلى الأعلى. فتحت باب الغرفة ببطء، ودلفت إلى الداخل. وجدته غارقًا في النوم فوق الفراش، بملابسه وحذائه تذكرت كلمات ماسة عن أنه لم ينم طوال الليل، فانقبض قلبها. اقتربت منه، وانحنت بهدوء تنزع حذاءه، ثم رفعت ساقيه فوق الفراش حتى يستريح أكثر. تحرك قليلًا، وفتح عينيه بصعوبة. — خديجة... قال اسمها وكأنه يراه في حلم. ثم أغمض عينيه من جديد. جلست إلى جواره، تحدّق في وجهه طويلًا.. كم اشتاقت إليه... اشتاقت حتى صار وجوده أمامها يؤلمها بدلًا من أن يطمئنها.. ظلت تراقب كل انشن به انحنت، ودفنت وجهها عند عنقه، تستنشق رائحته وكأنها تستعيد بها أنفاسها التي ضاعت منها. ابتعدت قليلًا، وأسندت رأسها بالقرب من رأسه، ثم رفعت أناملها تمررها على ملامحه بحنان اقتربت، وطَبعت قبلة خفيفة على وجنته. ثم همست والدموع تنساب على خديها: — بحبك... صمتت لحظة، وهي تنظر إليه — بحبك أوي يا عبدالرحمن. دنت منه من جديد، وأسندت رأسها إلى صدره، وحاوطت جسده بذراعيها، ثم سحبت ذراعه حولها، تريد ان تنعم بقربه، لم يعد لديها القدرة على البعد وخاصة حين وجدت قوتها به وحده، تذكرت زواجه بااخرى، تدحرجت دمعة عبر وجنتيها و همست بإرهاقٍ يشبه البكاء: — عبدالرحمن... إنت ملكي أنا. ارتجف صوتها. — أنا أحق بيك من أي حد... انهمرت دموعها أكثر، والتصقت به — أنا طماعة... آه، أنا طماعة وخطافة رجالة، خليهم يقولوا اللي يقولوه، مش مهم عندي، حتى لو هكون صمت وارتفع نشيجها. — هموت من فكرة إن حد يشاركني فيك. رفعت كفها، وضربت صدره بخفة بين شهقاتها: — مش قادرة يا عبدالرحمن... بقلم سيلا وليد فتح عينيه، وما إن رأى وجهها الغارق في الدموع حتى جذبها إليه بقوة، يحتضنها _فيه ايه، امك كويسة لكمته بقبضة يدها _عايزاك لوحدي... للحظة توقف تنفسه وهو يرى شهقاتها ويستمع الى كلماتها، ضم رأسها — اشش... حبيبتي. رفعت رأسها إليه، وعيناها تشتعلان بالخوف والحب والغيرة. — مش عايزة حد يشاركني فيك... أنا بموت. ابتسم يتأملها للحظات، ثم مسح دموعها بأنامله. رفعت يدها إلى وجهه، تتحسس ملامحه — إنت رحماني أنا... وفارس أحلامي. ارتعش صوتها: — مش قادرة يا عبدالرحمن... والله مش قادرة. احتضن وجهها بين كفيه، وطبع قبلة حانية على جبينها، ثم جذبها إلى صدره من جديد. — مفيش حد له حق ياخد مكانك عندي. ضمها أكثر، وهمس بالقرب من أذنها: — إنتِ خديجتي... اللي اختارها قلبي من البداية. أغمضت عينيها، ودفنت وجهها في صدره، أحاطها بذراعيه بقوة، يريد أن يطمئن كل خوفٍ يسكنها.. يمسد على خصلاتها بحنان مع قبلات متفرقة على وجهها، قشعريرة اصابت كلا منهما، رفع ذقنها و نظر إلى عينيها نظرة ارتبك لها قلبها، ومع ذلك اقتربت منه أكثر، ودفنت وجهها عند عنقه، تهرب من عينيه إلى حضنه. أغمض عينيه، مستسلمًا لأنفاسها الناعمة التي لامست عنقه. — خديجة... همست دون أن ترفع وجهها: — اديني وقتي يا عبدالرحمن. رفع ذقنها برفق، وأخذ يسبح في عينيها، ثم ابتسم بحنان: — خدي الوقت اللي يرضيكي... بس متنسيش إنك بتقسي على حبيبك أوي. تعلقت عيناها بعينيه. — مش أنا حبيبك يا ديجة؟ ارتعش قلبها من كلماته، فرفعت أناملها ترسم ملامحه كما لو كانت تحفظها داخل قلبها. — إنت روحي وحياتي يا عبدالرحمن... مش حبيبي بس. كانت جملة بسيطة، لكنها هزّت شيئًا عميقًا داخله. لمعت عيناه بسعادةٍ لم يستطع إخفاءها، ثم جذبها إليه بقوة، حتى تأوهت بين ذراعيه. ضحك بخفوت: — اشش... إنتِ لسه شفتي حاجة. ابتسمت رغم دموعها، ودفنت وجهها في صدره _زعلانة من نفسي، بس غصب عني... سامحني حبيبي أغمض عينيه وقال وكأنه لا يريد من الدنيا شيئًا آخر: — مجرد إنك بين إيديا كده... أنا راضي. مش عايز غير إنك تفضلي في حضني وبس. رفعت وجهها فجأة، وعاد الوجع ليغلب ابتسامتها: — آه... وتروح بقى عند زفتة ماسة، وتقول لها كلام الغزل والعشق، صح؟ ماهو انا مش عارفة اديك حقك تجمد في مكانه، وطالعها بدهشة صامتة. — إيه اللي بتقوليه ده؟ ابتعدت عنه قليلًا، وضمّت رأسها بين كفيها، وكأنها غاضبة من نفسها أكثر منه. — خديجة... رفعت عينيها إليه، وقد امتلأتا بالدموع. —ايه...بقولك عايزاك ليا لوحدي.. انا طماعة، قول االي تقوله خرجت الكلمات منها مكسورة: — هموت من فكرة إنك تكون عند واحدة تانية... فكرة إنك تبقى في حضنها... اختنق صوتها، وانهمرت دموعها، فمسحت على وجهه بعصبية، وكأنها تعاقب نفسها على غيرتها. — خديجة... بصيلي. رفعت عينيها إليه. قالت وهي تبكي: — أنا مش خطافة رجالة... ولا وحشة. وضعت كفها فوق قلبها: — أنا بس مجنونة بحبك... وبغير عليك. قلبي بيوجعني، يا عبدالرحمن... ليه وصلنا لكده؟ لم يحتمل رؤيتها بهذا الانكسار. اعتدل وسحبها إلى أحضانه، وأطبق ذراعيه حولها بقوة. — بحبك... همست بها وهي بين ذراعيه. دفن وجهه في خصلاتها، وخرجت منه آهة طويلة مثقلة بكل ما كتمه داخله: — آه يا خديجة... لو تعرفي أنا حاسس بإيه دلوقتي. ابتعد قليلًا، وراح يحتضن وجهها، يوزع قبلاته الحانية على جبينها وخديها، وشفتيها حتى انه لم يشعر بالدمعة التي خانته وانزلقت من عينيه. لمحتها خديجة، ، فرفعت ذراعيها تحاوط عنقه، واحتضنته بالطريقة نفسها التي احتواها بها. تراقص قلبه من فرط السعادة. ولم يستطع كتمان فرحته، فنهض وحملها، دار بها في الغرفة، فضحكت بين ذراعيه، وتشبثت به أكثر. أنزلها، ثم حاوط وجهها بكفيه، ونظر إليها وكأنها أجمل شيء حصل عليه في حياته. — بعشقك يا خديجتي. وضعت رأسها على صدره، وهمست: — ده مكاني لوحدي يا عبدالرحمن... معرفش هتعملها إزاي، بس أنا مش قادرة. مرر يده على شعرها بحنان: — عبدالرحمن كله ملكك... وتحت أمرك. ابتسمت وسط دموعها، ثم رفعت وجهها إليه: — عارفة إنك منمتش... ممكن تنام بقى وانا هقعد جنبك _نوم ايه بس اشارت على السرير _لو بتحبني لازم تنام نزع قميصه يليقيه بعيدا، تمدد وفرد ذراعيه، هاخدك في حضني لم تتردد.. تمددت بجواره لف ذراعيه حولها، وسحبها إليه حتى استقرت في أمان صدره. _هنام في حضن جوزي يعني _ياالله من نطق حلاوة الكلمة من شفتيها همس بجوار اذنها، حتى لمست شفتيه اذنها: — مش حضني بس يا حبيبة جوزك... أنا كله ليكي. ابتسمت بخجل، فابتعد إلى الفراش ومد يده إليها. ترددت لحظة، ثم اقتربت منه، قبل أن تنظر إلى ملابسه وتتمتم: — هجيب لك تيشيرت. استدارت، لكنه أمسك بيدها برفق وأعادها إليه، فضحكت وهي تتعثر فوق الفراش. قال مداعبًا: — تيشيرت إيه يا خديجة؟ بدل ماتقولي لي اروحي البس لك حاجة تفتح النفس بدل كالسون جعفر العمدة ده. شهقت، ونظرت إلى ملابسها، ثم أشارت إلى نفسها بصدمة مصطنعة: — أنا جعفر العمدة يا عبدالرحمن؟ ضحك، وحاوطها بذراعيه: — أحلى جعفر في الدنيا. وضعت كفيها على عينيها بخجل: — عبدالرحمن... ابعد بقى.. والبس رفع حاجبه، وظل صامتًا يطالعها. فتحت عينيها بحذر، فوجدته ما زال ينظر إليها. — بتبصلي كده ليه؟ اقترب منها قليلًا، وقال بابتسامة عاشقة: — معجب بحبيبتي. توردت وجنتاها، فداعبهما بأطراف أصابعه. لم تجبه، وإنما استدارت بكامل جسدها نحوه، ودفنت نفسها بين ذراعيه طبع قبلة على جبينها، ثم همس: — تصبحي دايمًا وإنتِ في حضن حبيبك... عبدالرحمن يا ديجة. أغمضت عينيها، وابتسمت للمرة الأولى منذ وقت طويل، بينما تشبثت به أكثر. بمنزل ماسة خرجت من الحمام، واتجهت الى فراشها، سحبت كوب قهوتها وجلست تضع صندوقًا أمامها، فتحته بهدوء تخرج مابه صورا كثيرة لها مع مراد وغسان، ثم وقعت عيناها عاى ظرف مغلق، فتحته لتجد به بطاقة تهنئة بعيد ميلادها من فراس _كل سنة وانا حبيبك فراس قبضت عليه بكفيها، ثم القته بالارض، اخرجت باقي مابالصندوق الى أن وجدت عقد زواج قديم... نظرت اليه بدموع، مررت اناملها عليه _ليه عملت فينا كدا... ليه شهقت تضع كفيها على فمها، وبين بكاؤها، رأت صورة تجمعهم فراس ومراد بالامام، وعبد الرحمـــــــــن وغسان بالخلف، وهي بالمنتصف راحت اناملها تمررها على غسان _عارفة انك كرهتني، بس غصب عني، وانت ماحاولتش، عارفة اني غلطت، بس هو اللي وقعني بحبه اتجهت بنظراتها الى عبدالرحمن، ابتسمت من بين دموعها _انت بقى اقول عليك ايه، افلتت ضحكة تتذكر اول مرة قابلته دلفت سريعا الى غرفة الاجتماع تتحدث بهاتفها عبر السماعة، فجأة اصطدمت باحد ما _اسفة... مااخدتش بالي _خلاص ولايهمك تلفت حوله، نظرت اليه متسائلة _انت شغال هنا رمقها دون حديث، حين وقعت عيناه على الجيب القصير الذي ترتديه، وخصلات شعرها الشقراء، نظر اليها بتقييم ثم تحرك وهو يستغفر ربه، همهمت _ماله دا... جاهل بعد قليل بمكتبها _باشمهندسة، غسان بيه عايز حضرتك في مكتبه اومأت ثم نهضت متجهة الى مكتب غسان دلفت دون أن تطرق الباب _غسان فيه... صمتت حين وجدتهما يقفان أمام شاشة عرض يتابعون اجزاء لسيارة اثناء تركبيها التفت اليها غسان _تعالي ياماسة اقتربت وعيناها على عبدالرحمن، الذي مازال مركز انظاره اتجاه الشاشة، اقتربت وتوقفت بجوار غسان _فيه ايه تحرك عبدالرحمن للشاشة _الجزء دا ممكن نبدله ببديل اقوى، ونجرب المميزات والعيوب، وياسلام لو كان ماركة مختلطة كان يتابعه غسان وهو يعقد ذراعيه فوق صدره _مش عارف، خايف نفشل _نجرب مش هنخسر، نجرب على جزء بسيط توقفت ماسة تتابعهما ثم قالت _فيه ايه ياغسان ومين دا اتجه عبدالرحمن يحمل اشيائه الخاصة، دون ان يرد عليها _فكر ورد علي، لازم امشي دلوقتي، عندي شغل مهم، الفكرة عندك، ادرسها، وهات القطع الاصلية واشتغل عليها _طيب... استنى مانشوف ماسة رأيها ايه توقف ينظر اليه للحظات، ثم اتجه بنظراته الى ماسة _انت بتهزر، هناخد رأي واحدة في فكرة وشغل مهم زي دا توسعت عيناها تنظر اليه بدهشة _مين دا ياغسان تحرك عبدالرحمن، ولم يرد ولوح بيده _منتظر تليفونك، توقف واستدار اليه فكر انت وادرس، بلاش الاستاذة لانها مش هتفهم في الشغل دا _بس ماسة شريكة في الشريكة _شريكة بالفلوس ياغسان، مش بالعقل، مع احترامي لوجودها، بس المبدأ مرفوض، انا عرضت الفكرة عليك كعضو منتدب، للشركة، وكمان مجال شغلك، غير كدا مرفوض أي رأي، سلام دنت من غسان توقفت امامه مستندة على المكتب _مين المتخلف دا _دا واد مصري، بس دماغه رهيبة، شغال مع فراس في الشركة العالمية، اتعرفت عليه من فترة، كل مرة يبهرني بااختراعات _من فترة قد ايه يعني، اول مرة اشوفه _لا بقالنا سبع شهور، او اكتر، انت بس اللي انشغلتي بالدكتوراه، مبقتيش تيجي، وعلى فكرة عاجبك باباكي اوي، حتى طلب منه يشتغل معاه، بس رفض وقال شغلي بنسب _اوووه... دا طمع ارتشف من قهوته يهز رأسه _ابدًا، بس بيشتغل مع واحد فرنساوي، ودي طبيعة الشغل بينهم فهو اتعود على كدا _امممم... بس برضو تحس انه مغرور شوية، او متخلف معرفش ضحك غسان وسحبها يقربها اليه _حبيبك بس اللي طيب، علشان كدا بتشوفي الناس كلها مغرورة رفعت اناملها على ياقة قميصه _اممم... يعني انت مش مغرور _تؤ... عندك شك، قالها وهو يقترب منها يقبلها، ارتبكت وحاولت التملص، ولكنه قربها إليه اكثر، في تلك اللحظة دلف فراس يحمل ورقًا _غسان امضي... ولكنه توقف فجأة على ذاك المشهد، تراجع سريعا معتذرا _اسف فكرتك لوحدك _استنى يابني... ابتعدت ماسة سريعا وتحركت للخارج دون ان تنظر خلفها، خرجت من شرودها الموجع بدمعة تتحرر من عيناها ازالتها سريعًا _غبية ياماسة غبية صباح اليوم التالي بمنزل خالد جلست امامه تضع بعض الكريمات على بعض الجروح _شوفت اختك عملت فيك ايه _وحياة امي لاسجنه القت القطنة بغضب _من امبارح وانت بتقول كدا، ممكن نفكر شوية بعقلنا، انت شوفت عبدالرحمن مش الغلبان بتاع زمان، دا هجم علينا زي قطاع الطرق، الواد دا مسنود اوي، لازم نفكر الاول نهض متأوها وقال _لا هنفكر ولا هنعمل حاجة، خلاص ابعدي عن خديجة وامي، هما مرتاحين مع بعض _يعني هما يرتاحو، واحنا الناس تلعنا _جيهان انا تعبان، كفاية اللي حصل قالها وتحرك، بينما هي تتابعه بعينان كالجمرات _والله... طيب ياخالد امسكت هاتفها وقامت بمهاتفة جيداء _انت فين يابت، كل شوية تختفي _امي وقعت من على السلم ياجيهان، ورجليها اتكسرت، واتحجزت بيها، كنا خايفين من نزيف على المخ تأففت جيهان _طيب انا عيزاكي دلوقتي، تعرفي تيجي ولا هتحرسي امك _خلاص جاية بلندن توقف بالنافذة ينظر لحركة المرور _غسان... لازم ننزل مصر، فيه بنود في العقد بتنص انك لازم تبقى موجود يااما مالكش اي اسهم _امتى الاجتماع _الاسبوع الجاي _احجز بقلم سيلا وليد ــــــــــــــــــــــــــــــــــــ بمنزل عبد الرحمــــــــن وخديجـــــــــة _رفرفت اهدابها بابتسامة، ثم فتحت عيناها وهو يداعب خصلاتها، تعانقت أعينهم بصباحٍ ظن أنه بداية حياة جديدة اعتدلت وهي تهمس بصوتٍ خافت _صباح الخير _صباح الحب نزلت بعيناها بعيدًا عنه، وهي تجمع خصلاتها المتمردة خلف اذنها، انحنى إليها _نمتي كويس رفعت عيناها إليها وهمست _جدًا.... مد ذراعيه وسحبها لأحضانه، رفعت ذراعيها حول خصره تدفن رأسها بصدره _اوعى تقولي منمتش _لا حبيبي نمت شوية اعتدلت ومازالت باحضانه _اسفة على اللي قولته علشان ماما و... وضع اصبعه على شفتيها _مش عايز اسمع حاجة، قومي خدي شاور وغيري علشان ناوي نهرب في البحر النهاردة _بجد قرص وجنتيها _بجد أوي استدارت اليه ونهضت فوق ركبتيها وطبعت قبلة فوق وجنتيه رفع حاجبه ساخرًا _ابن اختك أنا _وأنا عندي اخت اصلا دفعها بغضب من ردها، وحاوطها بجسده _يعني لافعل ولا كلام يابنتي مطت شفتيها بحركة مغرية، انحنى عليها، ولكنها وضعت يدها _استنى... انت بتخم على فكرة، ايه نسيت امبارح ضحك رغمًا عنه، وانحنى يدفن رأسه بصدرها _اقسم بالله هتجلطيني _بعد الشر... رفع رأسه إليها، طيب ايه _ايه... مش قولت اخد شاور، علشان ننزل _انا قولت كدا، مش فاكر دفعته بساقيها بغضب، وهبت من فوق الفراش، في تلك اللحظة استمعوا الى طرقات متتالية وصوت الصغيرة _بابي.. بابي.. ديجة افتحو بقى، قافلين ليه همس عبدالرحمن _البت دي هرميها في البحر فتحت خديجة الباب، دلفت الصغيرة تركض الى الفراش الذي يجلس عليه _خير ياعقلة الاصبع على الصبح، ايه مغامراتك اليوم اقتربت خديجة منها وضمتها بين ذراعيها _مالكش دعوة بيها، ثم احتوت وجهها وقبلته _تعرفي ياعقلة الاصبع بحبك ليه هزت الصغيرة رأسها وقالت _بابي قالي، علشان انا بنت بابي، صح يابابي _مش صح، ولا اعرفك، بت انا لاقيك على باب جامع لم تفهم الصغيرة بما يقوله، لكزته خديجة وابعدته تسحب سيليا اليها _سيبك منه حبيبتي، وانت الكسبانة، هو فيه حد في الدنيا ابوه يبقى اسمه عبدالرحمن اشارت سيليا عليه _اه دا... غمز إلى خديجة _ماله ياختي مش عاجبك، دا حتى الدلع مزيكا _بت ياسيليا خدي الراجل اللي اسمه ابوكي دا واطلعوا برة نهض من فوق الفراش، واتجه اليه، وبلحظة رفعها بين ذراعيه _طب علشان الطردة دي، هحميكي هزت ساقيها بالهوا، تلكزه بغضب، وتصرخ به وهو يتجه بها الى الحمام، فجأة توقف على صون سيليا _بابي بابي... عمو الدكتور قال لمامي هتجيب بيبي استدار اليها، يستمع الى مانطقته الصغير، بينما انفلتت خديجة من بين ذراعيه... واقتربت من سيليا _حبيبتي انت بتقولي ايه _مامي هتجيب بيبي ياديجة، وهشيله أنا وانت ركضت الى عبدالرحمن الذي تجمد بوقوفه تتشبث ببنطاله _قولها تجيبه بسرعة يابابي اتجه بنظره لخديجة التي تراجعت تجلس على الفراش بعدما خانها جسدها _سيلي انزلي تحت _لما ديجا تخلص صاح بصوت افزعها، فتراجعت الصغيرة لخارج الغرفة... كل هذا وخديجـــــــــة جالسة بجسد دون حركة كأن روحها ذهبت لبارئها اقترب منها _خديجة... بصيلي انسابت دموعها بغزارة، وارتجف جسدها، جلس بجوارها، وسحبها تحت ذراعيه _خديجة مفيش الكلام دا... تلاقي سيليا فهمت غلط رفعت عيناها اليه وليتها لم ترفعها كانت غارقة بالدموع، تنظر لقربه المهلك، وعيناه المتلهفة، ولكن ماذا تفعل بهما، وهي مجرد رقم في حياته نهضت بهدوء على عكس الضجيج والنيران التي تصرخ بداخلها، تحركت بخطوات ثقيلة للحمام، دلفت واغلقت الباب، ثم استندت عليه تبكي،، تبكي فقط، ماذا فعلت حتى تشعر بهذا الألم طرق على الباب _حبيبتي افتحي الباب، والله مافيه حاجة من دي، خديجة لكنها اتجهت الى الداخل، توقفت تحت المياه، بملابسها وقامت بفتحها لتخلتط مياه الاستحمام مع دموعها ظلت لفترة ليست بالقليلة مع ثوارنه بالخارج خرجت اخيرا... اتجه اليها وتوقف امامها _خديجة... ماسة مش حامل رفعت عيناها المنتفخة اليه _مراتك ولا لا... انت متجوزها ولا لا، بتقضي معاها وقت ولا لا... بتقرب منك ولا لا... صمت ينظر اليها بحزن انسابت دموعها، وهزت رأسها _حقك مقدرش اقول حاجة، تحركت لغرفة الملابس ودموعها تسبقها، حتى انعدمت الرؤية امامها، وكادت ان تسقط لولا تشبثها بالمقعد... كان يتابعها بقلبا يئن توقفت تطلع الى الغرفة، التي شعرت بأنها تطبق على صدرها اقترب منها وسحبها لأحضانه، هنا انهار جسدها بالكامل، ولم تعد لديها قوة _عبدالرحمن... لو بتحبني طلقني _خديجة... انا هتصل بماسة قدامك علشان تصدقي مفيش حاجة كانت تتابعه، تتمنى ان يكون كل هذا كذب رفع هاتفه، مرة واثنين، اخيرا اجابته _ايوة حبيبي ضغط على شغتيه وقال بخفوت _انت قايلة ايه لسيليا _قولت ايه ماقولتش حاجة ماسة صاح بغضب وقال _بيبي ايه اللي بتقوله _اه افتكرت... اصل الدكتور شك اني حامل، فقالي اعملي تحاليل، علشان نتأكد فيه حمل ولا لا.. صمتت وهي تستمع الى شهقات خافتة، علمت بوجود خديجة فقالت _ادعي المرة دي اطلع حامل بقى، ونجيب اخ لسيليا، مش دي كان امنيتك، انا كمان نفسي اجيب ولاد تاني منك جز على اسنانه وصرخ بها _ماشي انا جاي علشان نخاوي سيلي اغلقت الهاتف دون رد رفع عيناه لخديجة التي تنظر بالارض _حقك مكنش له لزوم، انا االي اخدت حق مش حقي استدارت امسكها بغضب _اقفي مفيش حاجة حصلت بينا علشان يبقى فيه حمل انزلت يده وقالت _عبدالرحمن انا اتجوزتك علشان امي، علشان اتحامى فيك، والحمد لله محصلش بينا حاجة، روح لمراتك، وخد بنتك معاك، ومبقتش عايزة اشوفها، ولا اقولك هاخد امي من هنا ونمشي قبض على ذراعيها بغضب _بقولك محصلش حاجة بينا، انت غبية ومتخلفة نزعت يدها بغضب _اطلع برة، روح لمراتك، مبهمنيش حصل ولا محصلش، تولع انت وهي، برة _والله ياخديجة اشارت على الباب _لو مخرجتش انت هخرج وللابد طالعها بنظرة حارقة كالعادة بترمي عبدالرحمن مع اول يأس اقترب منها حتى تراجعت للخلف ونظر لمقلتيها ثم تركها وغادر المكان بعد عدة ايام كان يجلس بمكتبه، دلفت اليه ماسة وهي تحمل ااقهوة، رفع نظره ظنا والدته _ايه اللي جابك هنا _انا معرفش انت زعلان ليه، وانا ايه اللي عرفني انها بتسمع... كنت بضايقك _قدامك دقيقة واحدة بس، لو مترجعتيش بيتك هطلقك بالتلاتة، دقيقة واحدة _كدا ياعبدالرحمن... وانا اللي جاية اقولك اروح لخديجة واقولها الحقيقة _برررة. خرجت بينما ظل هو بمكانه، لقد مضى ثلاث ايام يعاقبها. يعاقب نفسه، ولكن اشتياقه اليها فاق الحد، تذكر كلماتها العاشقة له، نهض بعدما فقد السيطرة، فلتذهب كرامته الى الجحيم، وصل بعد قليل دلف الى المنزل بعدما لم يعد احتمال البعد عنها، كان يظن أنه حين يفعل ذلك فأنه يعاقبها، ولكن وجد نفسه انه يعاقب قلبه، حتى اوجعه، توقف جسده على نومها وهي جالسة، اتجه بنظراته للتلفاز، ابتسم حين وجد فيلمًا قديمًا ابيض واسود لنجاة الصغيرة، أغلق التلفاز، ثم اتجهت عيناه إلى تلك التي غفت فوق الأريكة، وبين يديها طبقٌ من الفاكهة. جلس إلى جوارها، وسحب الطبق من بين يديها بهدوء، ثم ظل يتأمل ملامحها، يحاول أن يستوعب أنها أصبحت ملكه بعد كل تلك السنوات.. رغم اعتراضها رفع كفه، وأزاح خصلاتها عن وجهها برفق، وانساب بصره فوق ملامحها واحدةً تلو الأخرى، حتى استقر عند شفتيها. ارتجف قلبه. مد إصبعه يمرره فوق شفتيها في بطء، ثم سحب يده سريعًا، كأن لمسته أيقظت مشاعره التي ظل لايام يحاول دفنها اشتاق إليها... اشتياقًا أوجعه.. اشتياق عاشق حد الجنون، نعم فلقد وصل حبه اليها الى العشق الافلاطوني، يعلم أنه يخطأ بطريقته معها، ولكنها ملكه حتى لو اغتـ صب ذلك الحق رغمًا عن الجميع نظر اليها بتمعن حتى تحولت النظرات الى اشتياق الى جنون عشق،ورغم اشتياقه وجنونه بالعشق الا هناك نار تحر. قه... نار الغيرة.. تلك الحقيقة التي كلما حاول الا يتذكرها او يدفنها، فكلما تذكر يشعر بطعنته من جديد... لأنها كانت لغيره.. رغم انه يحاول امامها بعدم ذكره لتلك الرصاصة التي قضت عليه... نعم رصاصة وجهتها لقلبه دون رحمة أغمض عينيه للحظة، وتذكر الحارس عن كلماته عن اتيان مروان الى هنا، قبضة اعتصرت فؤاده من ذاك الحقير ، انه يغير عليها بجنون... لا يعلم لماذا وكيف، ولكن كلما تذكر زواجها من اخر، وعقله وقلبه يحاربنه كيف عاش معها؟ كيف كان ينظر إليها؟ هل كان يستمع بضحكتها؟ كيف كان يملك هذا الحق الذي حُرم هو منه؟ اشتعلت عيناه، وانقبض فكه، يتذكر طردها له، وكأنه شيئا تمتلكه وليس حبيب تموت من بعده، كيف لها ان تبدو بذاك الهدوء، وهو بعيدا عن احضانها، هو الذي جافه النوم منذ أن تركها، لقد زهد كل شيئا سوى النظر لعيناها، وقبلة تروي ظمأه، ااااه... افلتها وعيناه على شفتيها، وهمس بصوتٍ خرج مبحوحًا من شدة ما يكتم : _أخد حق قلبي منك إزاي؟ عاد بنظره إلى وجهها، يبحث فيه عن إجابةٍ لسنواتٍ كاملة من الوجع.. كان يريد أن يدفن الماضي، الذي يحمله فوق عاتقه،، أن يمحو كل لحظةٍ نبض القلب لها. لكن حين عاد، عاد كل شيئا، ليسـ لب بطريقته حقه انحنى نحوها قليلًا، ثم توقف.. وعيناه تفتـ رس ملامحها، وعقله يصفعه بما تخيله مع الاخر، بينما قلبه يتمرد بالنبض، انها حبيبتك، خديحتك، خاصتك وحدك كور قبضته ونفرت عروقه، فالتفت اليها حين فقد السيطرة اقترب من وجهها، ارتفعت انفاسه حتى اصبح يتنفس بصعوبة، ويحارب ذلك القلب الذي لم يتعلم يومًا كيف يتراجع عنها.. قرب وقرب حتى لمس بخاصته ثغرها فجأة، فتحت عينيها. ابتسمت له ابتسامةً وادعة، كأنها تحلم به، ثم رفعت كفيها إلى وجهه وهمست ببضع كلمات لم يجد عقلُه طريقًا إلى فهمها. عندها صمت كل شيء.. ولكن الحقيقة المُرة تضرب صدره، اتجه اليها فقط عينان معلقتان ببعضهما، وقلبان يعرف كلٌ منهما صاحبه رغم كل ما مرّ بهما.. هنا اقسم أن يمحو كل ماله اثر بالماضي، حتى لو اجبارًا، لقد فلت السهم من القوس ولم يعد لديه القدرة عن التراجع تنفس بعمق، ثم نهض فجأة وحملها بين ذراعيه. رفرفت أهدابها بعدما فاقت من نومها، وتلفتت حولها قبل أن تشهق حين وجدت نفسها بين ذراعيه: _إنت جيت امتى، موديني فين؟ نظر إليها طويلًا، وفي عينيه بقايا الغيرة، ووجع السنوات، وقرار لن يتراجع سوى محو الماضي بطريقته حاولت الافلات _نزلني...موديني فين؟ ولكنه ضمها أكثر لصدره ثم قال بهدوءٍ مريب : _قررت أجيب بيبي.. ولو مااسكتيش، هيكونوا توينز صرخت وهي تحاول الإفلات من بين ذراعيه، لكنه أسكت اعتراضها بقـ بلة سحب انفاسها بها، قبل أن يبتعد عنها أخيرًا. تعلقت عيناه بعينيها للحظات... هي بعينين أغرقهما الدمع، وهو بنظرة ممتلئة بالعتاب والغضـ ب، كأنه ينتظر منها كلمة واحدة تعيد إليه ما فقده. قالت بصوت متهدج: _نزلني يا عبدالرحمن... وروح لمراتك. أنا مبقتش عايزاك... ابعد عني. لم يجبها، فقط حملها وصعد بها الدرج، واردف بنبرة مثقلة بسنوات الانتظار: _أنا هعلّمك إزاي تمو تي بالغيرة... ولا إزاي تتنازلي عني، يا خديجة. توقف فجأة، ونظر إلى عينيها مباشرة. _آه، على فكرة ماسة حامل... إيه؟ مش مراتي؟ ومش من حقي زي ما إنتِ قولتي؟ زعلانة ليه بقى؟ اعملي زيها! واحملي ارتجفت شفتاها، ولم تجد جوابًا. كان يعلم أنه أصاب أكثر نقطة تؤلمها، ومع ذلك لم يتراجع. دخل بها الغرفة، وأنزلها، ثم ابتعد عنها للحظات. بقيت واقفة في مكانها، عاجزة عن استيعاب ما يحدث، حتى عاد وألقى أمام قدميها ثوبًا أحمر. _استعدي يا عروسة... هنتمم جوازنا. ولا إنتِ عايزة تفضلي عايشة على ذكرى جوازك الأول؟ حدقت في الثوب كأنها لا تراه، ثم رفعت عينيها إليه بارتجاف. تلاحقت أنفاسها، وعادت إليها ذكريات الماضي الذي حاولت دفنه...ولكن الان كل شيء عاده اليها، حتى الألم الذي ظنت أنها ستجاوزه معه، زاد من توهجه جلس على المقعد، وأخرج سيجارته، ثم قال ببرود يخفي خلفه نارًا مشتعلة: _هتفضلي واقفة كده؟ اجهزي بقولك. واعملي حسابك... بعد كده هاجيلك تلات أيام. رفع عينيه إليها، وأضاف بنبرة قاطعة: _ولو سمعت كلمة طلاق تاني... هقـ طع لسانك يا خديجة. نهض واقترب منها، حتى أصبح خلفها، سحبها لاحضانه، ثم قال بصوت خافت: _اعملي حسابك... أنا مش هتحايل عليكي تاني. متنسيش إني متجوز غيرك. أغمضت عينيها، تحاول أن تمنع دموعها من السقوط. انحنى قليلًا وهمس بالقرب منها: _حقي اللي حرمتيني منه خمس سنين... هاخده الليلة يا خديجة. فتحت عينيها ببطء. كان قريبًا منها، حد التلامس، فلقد لامست شفتيه شفتيها، وانفاسه نيران بالقدر الذي جعل قلبها يرتجف، ظلت تنظر لعيناه، عينان باردتان خاليتان من الدفء، ماذا فعلت ليقابلها بذاك الألم، هل اجرمت.. اقسمت بداخله ان تأخذ حق ليالي انتظاره، اخطأت نعم لكنها لم تتراجع هذه المرة.. رفعت أصابعها المرتعشة ولمست وجهه، مجرد لمسة، واقتراب منه، منه وحده،جعل دموعها تنساب بغزارة، ثبتت عيناها في عينيه. ثم قالت بهدوء مخيف: _وأنا أوعدك... أعيشك ليلة مش هتنساها طول عمرك، يا حبيب عمري. تجمد للحظة. لم يتوقع منها تلك النظرة، ولا ذلك الهدوء الذي يخفي خلفه شيئًا لا يستطيع قراءته. ابتسمت من بين دموعها، ثم انحنت والتقطت الثوب من الأرض..تتفحصه وقالت باابتسامة _مدورتش كويس، دا مقفول، هشوف لك حاجة تمتعك اكتر، بس يارب تقدر تكمل الليلة، حب اتناشر سنة، لازم يتختم بليلة نحلف بيها احنا الاتنين دنت من وقوفه، ثم طبعت قبلة خاطفة على خاصته _استناني...مش هتأخر لازم أجهزلك علشان تتبسط بمزاج. توقفت لحظة، ثم التفتت إليه قائلة: _وشغّل موسيقى... علشان المزاج يبقى عالي.