الفصل العشرون طُعم في يدا أليفة بقلم سيلا وليد
ضحكت سيليا، ثم التفتت إلى أبيها، وقالت بجدية طفولية:
_طيب نزلني يا بابي، وشيل ديجا هي خفيفة!
انفجرت الصغيرة ضاحكة، بينما شهقت خديجة وهي تضع يدها على صدرها،
أما عبدالرحمن، فأنزل سيليا سريعًا، ثم أشار إلى خديجة قائلًا بجدية مصطنعة:
_عندك حق يا سيلي، ديجا فعلًا خفيفة!
_عبدالرحمن!
نطقت اسمه بتحذير، لكنها لم تستطع منع ابتسامتها، خاصةً حين رأته يقترب منها بعينين تلمعان بالمشاكسة.
وفي لحظة، وجدت نفسها بين ذراعيه، يضمها إلى صدره بإحكام، وكأن كل ما يريده من العالم أن يظل هكذا، قريبًا منها، لا يفصل بينهما شيء.
شهقت بخفة، ثم رفعت عينيها إليه، لتجد نظرته قد تغيرت، واختفت منها مشاكسته لتحل محلها لهفة عميقة.
كان يضمها إلى قلبه كمن عاد أخيرًا إلى المكان الذي ينتمي إليه، بينما راحت هي تمرر كفيها على وجهه، تتحسس ملامحه بحنان، وكأنها تطمئن إلى وجوده أمامها.
لم يقل أيٌّ منهما شيئًا.
فبعض المشاعر تعجز الكلمات عن حملها، وبعض اللحظات يكفي فيها أن تتلاقى العيون، وتقترب القلوب حتى يكاد المرء يسمع نبض الآخر داخل صدره.
حملها عبدالرحمن بين ذراعيه، وصعد بها إلى غرفتهما، متناسيًا كل شيء حوله، حتى سيليا التي ظلت تراقبهما بفضول طفولي قبل أن تركض خلفهما.
دخل الغرفة، وأنزل خديجة برفق، ثم أحاط خصرها بذراعيه، وأراح جبهته على جبهتها للحظات، يستمد من قربها شيئًا من الراحة التي افتقدها طوال اليوم.
همس بصوت أنهكه التعب:
_أنا جاي هلكان من الشغل، وكل اللي عايزه إني أنام شوية.
ابتسمت خديجة، ومررت أصابعها بين خصلات شعره.
_طيب، مش هتاكل؟
هز رأسه، ثم طبع قبلة على جبينها.
_ملحقتش أجوع يا خديجة.
وفي اللحظة نفسها، صعدت سيليا إلى الفراش، واستقرت بين الوسائد، ثم رفعت ذراعيها نحو أبيها قائلةً بلهفة:
_يلا يا بابي، علشان تحكيلي حدوتة!
ضحك عبدالرحمن، والتفت إلى صغيرته، بينما ابتعدت خديجة عنهما بهدوء.
اقتربت من الفراش، ومسدت على شعر سيليا بحنان، ثم مالت تقبل جبينها.
_خليكي مع بابي يا حبيبتي، وأنا هنزل أشوف ماما.
أمسكت سيليا بيدها قبل أن تبتعد، وسألتها ببراءة:
_هترجعي تاني يا ديجا؟
_طبعًا هرجع يا قلب ديجا.
صعدت إلى الغرفة بعدما اطمئنت على والدتها، فتحت الباب لتقابلها رائحة الورود
لفت بنظراتها بالغرفة بعدما استمعت الى صوت العندليت، مكان ساحري بالشرفة التي قام باغلاق ستائرها
ابتسمت ودلفت للداخل
_يعني على المزاج العالي، نجوم وبحر والعندليب
سحب كفيها وأجلسها فوق ساقيه
_اتأخرتي ليه؟!
_فكرتك نمت اصلًا
داعب خصلاتها ووضعها خلف أذنيها
_مجاليش نوم، سيليا غلبتني لحد مانامت، فقولت استناكي، بس خديجتي كانت بتتقل على جوزها حبيبها
وضعت رأسها على صدره
_حبيت اسيبك مع سيليا، البنت كرهتني، محبتش تشوفني مرات الاب اللي خاطفة ابوها
لف ذراعيه حول جسدها يضمها اليه
_متقوليش كدا، اوعي تقولي على نفسك كدا تاني، مش يمكن هما اللي خاطفني منك
رفعت حاجبها بسخرية
_بذمتك مصدق نفسك
لف شعرها حول كفيه، وقربها الى وجهه
_عديمة المشاعر، قومي غيري هدومك دي، اخترتك لك حاجة على مزاجي
انحنى حتى لمس ثغرها
_عايز أسهر معاكي، فيه حدوتة حلوة عايز احكيها لك
مطت شفتيها
_حدوتة
_متعمليش الحركة دي يابت
_طب هعملها عايزة اشوفك هتعمل ايه
_بلاش ياديجا، انت كلك في حضني، وانا بقالي كام يوم مصاحب شوشو، بناخد مع بعض دروس في الموسيقى
ضحكة صاخبة افلتتها، وضع كفه على فمها
_يابت فضحتيني الجنايني يقول ايه
اعتدلت تنظر اليه
_مش هتنام بجد؟!
هز رأسها وهو يلتهمها بعيناه
_اه… انت عايزة تنامي
داعبت زر قميصه وقالت
_تؤ… عايزة اسهر معاك
طيب هتقعدي معايا كدا
نهضت وهي تتمتم
_أكيد لا… هاخد شاور دافي كمان
_اجي اساعدك
_اتلم.. ياعبد الرحمن
بقلم سيلا وليد
نهض عبدالرحمن وأطفأ الإضاءة، ثم خفّض صوت الموسيقى قليلًا، وأغلق النوافذ الزجاجية، تاركًا للموسيقى الهادئة أن تملأ المكان، يهيئ لهما ليلةً طال انتظارها.
خرج إلى الشرفة، وأشعل سيجارته، لعلّ دخانها يهدئ شيئًا من اضطراب صدره، لكن كيف لقليلٍ من الدخان أن يطفئ حريقًا ظلّ مشتعلًا في قلبه لسنوات؟
منذ حديثه مع مريم، بدأ شيءٌ في داخله يستعيد الأمل. أخبرته أنها لم تعد تلك المرأة المنكسرة التي التقتها في المرة الأولى، وأنها بدأت تستعيد شيئًا من نفسها، وأن قلبها لم يعد غارقًا في الخوف كما كان.
وللمرة الأولى منذ زمن، سمح عبدالرحمن لنفسه بأن يحلم بقربها دون أن يخشى أن يتحول حلمه إلى كابوسٍ يؤذيها.
أغمض عينيه، وسحب نفسًا عميقًا، لكن نبضاته ازدادت عنفًا كلما تخيّل أنها ستكون بين ذراعيه الليلة.
كيف سيواجهها؟
كيف سيمنع يديه من ارتجاف الشوق حين يلمسها؟
وكيف سيحتوي كل تلك المشاعر التي كتمها لسنوات، دون أن يندفع بما قد يخيفها أو يجعلها تتراجع عنه؟
كان يخشى عليها حتى من شدة حبه.
يعرف ما تركته تجربتها الأولى في روحها ندوب
توقف شاردًا يخوض معركةً لا يعلم عنها أحد.
معركة بين عاشقٍ أنهكه الانتظار، ورجلٍ يريد أن يكون أمانًا لحبيبته قبل أن يكون لها حبيبًا.
كان يريدها، نعم، يريد قربها أكثر مما يريد أن يتنفس، لكنه أراد قبل ذلك أن تشعر بالأمان بين ذراعيه، أن تعرف أن بإمكانها أن تقترب أو تبتعد دون خوف، وأنها لن تجد في حبه قيدًا جديدًا بعد كل ما عانته.
أطفأ سيجارته، ومسح وجهه بكفه، محاولًا استعادة هدوئه، حين تناهى إلى سمعه وقع خطواتها الناعمة داخل الغرفة.
ثم جاءه صوتها، هامسًا باسمه:
_عبدالرحمن!
يا الله!
مجرد أن نطقت اسمه، شعر بتوقف قلبه
استدار ببطء،