بعد فترة... جلست خديجة أمام المرآة، تتأمل انعكاس وجهها بشرود، وعادت ذاكرتها إلى سهرة الأمس، إلى الوجوه التي التقتها، وإلى فؤاد، ابن خاله، الذي لم تراه منذ أكثر من عشرين عامًا، رغم أنها تعرفه منذ أن كان طفلًا صغيرًا. ابتسمت ابتسامة خافتة وهي تتذكر كيف مرّت السنوات دون أن تشعر، وكيف أصبح ذلك الطفل رجلًا، والغيرة التي تجلّت على ملامح عبدالرحمن. لكن ابتسامتها سرعان ما خبت حين قفز إلى ذاكرتها وجه آخر... وجه لم تستطع تجاهله، ولا فهم سبب تلك النظرات التي ألقاها عليها. مراد، الذي غادر بعد وصولهم! تنهدت ببطء، وأمالت رأسها قليلًا، تحاول أن تطرد صورته من ذهنها، لكن رنين هاتفها باغتها، فالتقطته سريعًا، وما إن رأت اسمه حتى تبدلت ملامحها، وابتسمت مرة أخرى. _ حبيبي... جاءها صوته من الطرف الآخر، هادئًا، يحمل تلك النبرة التي تجعل قلبها يهدأ. _ عدي على الشركة، هخلص الاجتماع وننزل نلف في البلد شوية، وفيه حفلة في الأوبرا بالليل، لو عايزة تحضريها. رفعت حاجبيها وهي تتأمل انعكاسها في المرآة. _ إحنا هنبات هنا تاني؟ _ أيوة يا حبيبتي. هقفل دلوقتي، انزلي تحت هتلاقي عربية مستنياكي، هتوصلك للشركة. وبعت لك شوية هدوم علشان تعرفي تتحركي براحتك. نهض من مكانه، وتحرك بضع خطوات وهو ما زال يتحدث، لكنه توقف فجأة، وكأنه تذكر شيئًا مهمًا. _ خديجة! _ نعم يا عيوني؟ ظهرت ابتسامة جانبية على شفتيه، رغم محاولته الحفاظ على جديته. _ لو شوفت الروج اللي حطاه على شفايفك، همسحه بطريقة تخليكي تكرهيني. شهقت، ثم اتسعت ابتسامتها رغمًا عنها، بينما تابع هو بنبرة تحمل تحذيرًا لم يستطع إخفاء دلاله: _ بقولك أهو، أنا حذرتك. قالها وأغلق الهاتف دون أن يمنحها فرصة للرد. ظلت تنظر إلى الشاشة التي انطفأت بين يديها، ثم هزت رأسها وهي تبتسم. _ قليل الأدب! تمتمت بها، لكنها لم تستطع منع تلك الابتسامة الصغيرة التي ارتسمت على شفتيها، قبل أن تتحرك نحو الحمام استعدادًا للخروج. ❈-❈-❈ في الشركة، قبل قليل... اجتمعوا حول طاولة اجتماعات دائرية واسعة، تتوسطها ملفات وأوراق رسمية، وساد المكان صمت ثقيل لم يقطعه سوى صوت المحامي وهو يضع مجموعة من المستندات أمام كل واحد منهم. _ أتمنى كل واحد يفتح الملف اللي قدامه. إحنا عندنا مدير عام جديد للشركة، وفيه مجموعة قرارات لازم الكل يكون على علم بيها، لأن المرحلة اللي جاية محتاجة تفاهم كامل بين الشركاء. مد غسان يده نحو الملف وفتحه بتمهل، رغم أنه كان يعلم جيدًا ما يحتويه. لم يكن بحاجة إلى قراءة الكلمات حتى يعرف حجم العاصفة التي ستثيرها تلك الأوراق. على الجانب الآخر، جلس عبدالرحمن مستندًا إلى مقعده، لا يبدو عليه أي اهتمام بما يحدث، وكأن وجوده في الاجتماع مجرد مجاملة لا أكثر. رفع رأسه نحو المحامي، وسأله بنبرة عملية خالية من الحماس: _ طيب، أستاذ مراد والباشمهندس غسان ليهم حق إنهم يعملوا اجتماع مغلق قبل الاجتماع الرسمي، إنما أنا لازمتي إيه؟ أنا مجرد شريك في شوية أسهم، ومالي أصلًا بأي تفاصيل إدارية تخص الشركة. لم ينتظر إجابة، بل أدار قلمه بين أصابعه بملل واضح، حتى انفتح باب القاعة فجأة. ودلفت ماسة. كانت ترتدي ثوبًا أنيقًا ينساب على جسدها برقة، وشعرها مصفف بعناية، بينما ارتسمت على شفتيها ابتسامة هادئة وهي تلقي تحية المساء على الموجودين. لكن شخصًا واحدًا لم يسمع تحيتها. ما إن اخترقت نبرتها المكان، حتى رفع غسان عينيه إليها، فتوقفت أصابعه عن الحركة فوق شاشة هاتفه، وتجمدت ملامحه للحظة خاطفة، قبل أن يرفع عينيه إليها ببطء. وكأن السنوات التي مرت لم تكن سوى ستار رقيق انزاح فجأة، ليكشف له وجهًا ظن أنه تعلم كيف يراه دون أن يتألم. ما زالت جميلة... يا لغباء قلبه! حتى بعد كل تلك السنوات، وبعد كل ما حدث بينهما، وبعد كل المسافات التي تعمد أن يصنعها، ظل قلبه يعرفها قبل أن تستقر عيناه عليها. لم يكن جمالها وحده ما أوقف أنفاسه، بل تلك التفاصيل الصغيرة التي لم ينسها يومًا؛ الطريقة التي ترفع بها ذقنها حين تدخل مكانًا، وابتسامتها التي تمنحها للجميع دون أن تكشف عما يدور خلفها، وحتى تلك الخطوة الهادئة التي كانت تسبقه دائمًا حين يخرجان معًا. تفاصيل ظن أنه دفنها في مكان لا يستطيع الوصول إليه. لكنها عادت إليه دفعة واحدة، دون استئذان، ودون رحمة. ولثانية واحدة، لم يرَ المرأة التي تقف أمامه الآن، بل رأى الفتاة التي أحبها ذات يوم، حين كان قلبه أكثر بساطة، وحين كان يعتقد أن الحب وحده قادر على أن ينتصر على كل شيء. ثم اصطدم بالحقيقة. هي لم تعد حبيبته. وهو لم يعد ذلك الرجل الذي كان يظن أن العالم يتوقف عند ابتسامتها. خفض عينيه سريعًا، وأعاد تركيزه إلى هاتفه، متظاهرًا بالانشغال، بينما كانت أصابعه تضغط على الجهاز بقوة لم ينتبه إليها أحد. أو هكذا ظن. توقف مراد عن الحديث، ونهض من مقعده، واستقبلها بحنان واضح، ثم ضمها إلى صدره وقبّل رأسها. _ وحشتيني يا حبيبتي. ابتسمت له وهي تبادله العناق. _ وأنتَ أكتر. تابع غسان المشهد من طرف عينيه، وشعر بشيء ثقيل يضغط على صدره. ابتعدت ماسة عن مراد، ثم استدارت نحو غسان. _ إزيك يا باشمهندس؟ رفع عينيه إليها للحظة، ثم أجاب ببرود متعمد: _ كويس. كلمة واحدة. جافة، مقتضبة، لا تشبه أبدًا الرجل الذي كان يطيل الحديث معها في الماضي، ولا الرجل الذي كان يستطيع أن يقرأ تغيرات ملامحها قبل أن تنطق. لكن ماسة لم تتوقف عند إجابته، أو ربما اختارت ألا تفعل. اتجهت نحو عبدالرحمن، الذي كان يتابع ما يحدث بنظرات هادئة، ثم انحنت وطَبَعت قبلة سريعة بجوار شفتيه. _ وحشتني. رفع عبدالرحمن عينيه إليها، ثم أشار إلى المقعد المجاور له. رمقهما غسان، وقلبه جمرة، ولكن لم يكن له الحق في الاعتراض، ولا حتى في الشعور بالغيرة. فالرجل الذي يعانقها الآن هو زوجها، بينما هو لم يعد سوى ذكرى قديمة، مهما حاول قلبه التمرد على تلك الحقيقة. وقعت عينا عبدالرحمن على نظرات غسان تجاه ماسة، فأشار إليها. _ اقعدي علشان نكمل الاجتماع. كنتِ فين؟ سحبت المقعد وجلست بجواره، ثم أجابته ببساطة: _ خرجت أتمشى شوية على النيل. وقبل أن يعلق، دوّى صوت مراد في القاعة، بعدما قلب الأوراق أمامه أكثر من مرة. _ نعم؟! اللي هو إزاي يعني؟! عبدالرحمن المدير العام؟! رفع عبدالرحمن رأسه بسرعة، وسحب الملف الموضوع أمامه، ثم أخذ يقرأ السطور بعينين اتسعتا تدريجيًا. لم يستغرق الأمر سوى لحظات حتى ألقى الأوراق فوق الطاولة ونهض من مقعده. _ إيه التخاريف دي؟! أنا مالي ومال شركة بالحجم ده؟! أنا مهندس ميكانيكي، وماليش دعوة بالإدارة ولا بالحاجات دي! تدخل المحامي بهدوء، محاولًا احتواء غضبه. _ يا باشمهندس، غياث باشا عمل لحضرتك توكيل رسمي، وفيه تنازل موثق عن صلاحيات الإدارة، بالإضافة إلى موافقة الأستاذ فراس ومدام ماسة على القرار. الإجراءات القانونية مكتملة، وتعين حضرتك بقى نافذ وفق المستندات الموجودة. حدق عبدالرحمن فيه غير مصدق، ثم استدار نحو ماسة بحدة. _ ممكن أفهم إيه اللي أنتِ عملتيه ده؟ نهضت ماسة ببطء، ونظرت إليه بثبات، قبل أن تجيبه: _ إيه يعني يا عبدالرحمن؟ أنتَ جوزي، وكده كده أنا مبقتش مهتمة بالشركة ولا بالإدارة. وأنا شايفة إنك أقدر واحد يحافظ عليها. ضحك عبدالرحمن ضحكة خالية من المرح، وهز رأسه رافضًا. _ لا، أنا مستحيل أوافق على المهزلة دي. أنا ما طلبتش منصب، ولا عايز أدخل نفسي في مسؤوليات ملهاش آخر! عندها رفع غسان رأسه أخيرًا، ووضع هاتفه جانبًا، ثم نظر إلى عبدالرحمن بنظرة صارمة. _ لازم توافق. استدار إليه عبدالرحمن بعصبية. _ نعم؟! _ زي ما سمعت. مش على كيفك يا عبدالرحمن. دي شركة مش محل صغير هتقفله وتروح. وراها موظفين، وعمال، وأسر بتصرف من مرتباتهم، وفيها ملايين وأسهم والتزامات. إحنا مش بنلعب هنا. ثم مال إلى الأمام قليلًا، وأضاف بنبرة أكثر حدة: _ وبعدين أنتَ زعلان ليه؟ الحداد ائتمنك على اسمه وماله، متخافش، مشتريك غالي أوي. قبض عبدالرحمن يده، واشتدت عضلات فكه، محاولًا السيطرة على غضبه. _ أنا ماليش دعوة بيكم. دي شركتكم، وشغلكم، وإنتوا أحرار فيه. تدخل المحامي مجددًا، محاولًا تهدئة الأجواء. _ يا باشمهندس، ممكن نتكلم بعد الاجتماع؟ لأن فعلًا الموضوع محتاج نقاش، لكن مش قدام كل الموجودين. في تلك اللحظة، اقترب مراد من ماسة، وأمسك بذراعها بقبضة غاضبة، وخفض صوته، لكن كلماته خرجت مشحونة بالاتهام. _ أنتِ بتخططي لإيه؟! عايز أفهم أنتِ عايزة توصليني لإيه بالظبط! نظرت ماسة إلى يده المطبقة على ذراعها، ثم رفعت عينيها إليه ببرود. _ مالكش دعوة بيا يا مراد. اشتدت قبضته أكثر، فانتصب عبدالرحمن واقفًا، ودفع مقعده إلى الخلف. _ أنتَ اتجننت؟! بتعمل إيه وأنا قاعد؟! أفلت مراد ذراعها، لكنه ظل يحدق فيها بغضب. أما ماسة، فظلت ثابتة في مكانها، ترفع رأسها بكبرياء، وكأنها ترفض أن تمنح أحدًا متعة رؤية انكسارها. رمقهم مراد بنظرة حادة، ثم التقط هاتفه وغادر القاعة دون أن ينطق بكلمة أخرى. وبعده، نهض غسان وجمع أوراقه بترتيب، ثم التفت إلى المحامي. _ أنا كل اللي يهمني إن اسم الحداد يفضل زي ما هو في السوق. كفاية اللي حصل بسبب حبس مراد، وكفاية حالة عمي. الناس دي تعبت سنين علشان تبني الكيان ده، ومش هسمح إن كل ده يضيع بسبب أي حد، مهما كان. ثم رفع عينيه إلى ماسة، واستقرت نظراته عليها للحظات أطول مما ينبغي. كان في عينيه شيء لم يسمح لنفسه بإظهاره؛ وجع لم يخمد، وغضب حاول إخفاءه خلف قسوة لم تكن يومًا من طباعه معها. لكنه لم يقل شيئًا. اكتفى بأن قال بصوت حاسم: _ بعد كده مش هرحم حد. ده تعب بابا وعمي، ومش هسمح لأي حد يضيعه. ثم استدار وغادر القاعة. مرت لحظات ثقيلة بعد خروجه، قبل أن تتنفس ماسة بعمق، وتجلس فوق المقعد الذي كانت تقف أمامه. شعرت فجأة بأن ساقيها لم تعودا تحملانها. لم يكن ما حدث في الاجتماع هو ما أثقل قلبها، بل تلك النظرة التي لمحتها في عيني غسان قبل أن يرحل. كانت تعرف تلك النظرة جيدًا. رأتها قديمًا حين كان يخشى عليها من نسمة هواء، وحين كان يغضب لأبسط الأشياء التي قد تضايقها، وحين كان يظن أن العالم كله يمكن أن يُختصر في امرأة واحدة. ثم رأتها مرة أخرى حين افترقا. لكنها لم تتوقع أن تراها بعد كل هذه السنوات. أغمضت عينيها لحظة، كأنها تحاول إيقاف شيء قديم بدأ يتحرك في أعماقها، قبل أن يقترب منها عبدالرحمن وينحني قليلًا حتى أصبح في مستوى عينيها. _ أفهم من كده إنك بترميني في النار بإيديكي؟ رفعت عينيها إليه، ورسمت ابتسامة صغيرة على شفتيها، رغم الإرهاق الذي بدا واضحًا على وجهها. _ أنتَ طول عمرك بترمي نفسك في النار علشان غيرك يا عبدالرحمن. تأملها للحظات، ثم قبض يده بقوة. _ عايزة توصلي لإيه يا ماسة؟ _ عايزاك يا عبدالرحمن، مش عايزة أتوه تاني. _ ماسة، أنا متجوز، كفاية لحد كده. نصبت عودها وتوقفت أمامه. _ وأنا مراتك يا عبدالرحمن، وقبلها، ومش من حقك ترميني علشانها، وقلتها زمان، وأنتَ وعدتني زمان، ووعدت بابا. _ بس ده قبل ما تلعبوا عليَّ. _ والله، وأنا مكنتش ضحية زيك، أنا ذنبي إيه في اللي حصل؟ التقط هاتفه واستدار للمغادرة، لكنه توقف وأشار إليها. _ خديجة تعرف كل حاجة، وهي اللي تقرر يا ماسة، غير كده لا. _ مش هتقدر تبعد عني يا عبدالرحمن. هز رأسه وفتح الباب. _ هنشوف. ❈-❈-❈ بقلم سيلا وليد عند خديجة، بعد قليل... توقفت السيارة أمام مبنى شاهق، تتلألأ واجهته الزجاجية تحت أشعة الشمس، في واحدة من أرقى مناطق القاهرة. ترجلت خديجة من السيارة، ورفعت رأسها تتأمل المبنى للحظات، ثم تحركت نحو المدخل بخطوات واثقة، لا تعرف أن ما ينتظرها في الداخل سيفتح أمامها أبوابًا لم تكن تعلم بوجودها أصلًا. توقفت أمام مكتب الاستقبال، وألقت نظرة سريعة على المكان الواسع الذي يعج بالحركة، ثم اقتربت من الموظفة بابتسامة مهذبة. _ لو سمحتِ، عايزة أقابل الباشمهندس عبدالرحمن الديب. رفعت الموظفة رأسها إليها، ثم سألتها باحترام: _ تقصدي المدير العام يا فندم؟ توقفت خديجة لحظة، وعقدت حاجبيها باستغراب. _ المدير العام؟! لا، هو... يعني أيوة، هو، بس... في تلك اللحظة، انفتح باب المصعد، وخرج غسان بخطوات سريعة، يتحدث في هاتفه بلهجة مقتضبة. _ خليهم يخرجوا العربية، أنا هتحرك دلوقتي. أنهى المكالمة، ثم اتجه نحو البوابة، لكنه توقف حين التقطت أذناه اسم عبدالرحمن. _ لا، الباشمهندس عبدالرحمن الديب، مهندس هنا. استدار برأسه، فوقعت عيناه على خديجة الواقفة أمام موظفة الاستقبال. تأملها للحظات، وتذكر أنها هي التي اصطدم بها بالأمس، لكن لماذا أتت إلى هنا؟ ولماذا تسأل عن عبدالرحمن؟ عاد ببصره إلى الموظفة التي كانت تسألها: _ نقوله مين يا فندم؟ أجابت خديجة ببساطة: _ مراته. تجمدت ملامح غسان لجزء من الثانية. مراته! الكلمة التي قالتها الفتاة بعفوية جعلته يعيد النظر إليها. تأمل خديجة من جديد، يتفحصها بتمهل، وهمس في نفسه: هل هذه زوجة عبدالرحمن الأخرى؟ لم يتوقع أن تكون زوجته بهذه الهيئة الهادئة، بهذا الجمال الحقيقي، دون تزييف أو تجميل، ولا أن يرى في ملامحها ذلك القدر من الثقة الذي لا يحتاج إلى استعراض. حقًا، أبهَره جمالها الهادئ، وقوتها وثقتها. اقترب منهما بخطوات ثابتة، دون وعي، وتوقفت خديجة عن الحديث حين وجدته يقف أمامها. مد يده إليها، محاولًا أن يرسم ابتسامة رسمية على وجهه. _ فكراني؟ اتقابلنا امبارح، ومن غير معاكسة، أنا غسان الحداد. وبالمناسبة، أنا بعتذر لك عن سوء الفهم اللي حصل بينا المرة اللي فاتت. نظرت خديجة إلى كفه الممدودة، ثم رفعت عينيها إلى وجهه. تذكرت حديث عبدالرحمن عنه، وتذكرت تلك النظرات الغريبة التي لاحظتها بالأمس. لم تكن تعرف ما الذي حدث بينهما، لكنها كانت تدرك أن وراء ذلك الرجل حكاية لم تُروَ بعد؛ كيف كان صديقًا وابن عم لماسة، ولماذا لم يتحدث معه بالأمس؟ ومع ذلك، لم تسمح لفضولها أن يظهر على ملامحها. اكتفت بابتسامة مهذبة، ثم قالت بثبات: _ أهلًا بحضرتك. آسفة، أنا مابسلمش على رجالة. توقفت يد غسان في الهواء. للحظة، لم يستوعب الرد، ثم أنزل يده ببطء، وارتسمت على شفتيه ابتسامة. لم يكن معتادًا أن يُقابل بالرفض بهذه البساطة، لكن ما أوقفه حقًا لم يكن رفضها مصافحته، بل الطريقة التي قالت بها الجملة؛ لا خوف، ولا ارتباك، ولا محاولة لإرضائه. مجرد حد واضح وضعته أمامه دون أن ترفع صوتها. أومأ برأسه احترامًا لموقفها، ثم قال: _ حقك طبعًا، وأنا مقدر ده. وقبل أن يبتعد، ألقى نظرة عابرة نحو المصعد، وكأنه يفكر في شيء ما، ثم عاد ببصره إليها. _ عبدالرحمن فوق، بس غالبًا الاجتماع خلص. لو تحبي أبلغهم إنك وصلتي. هزت خديجة رأسها. _ متشكرة، أنا هطلع له بنفسي. ابتعدت عنه متجهة نحو المصعد، بينما ظل غسان واقفًا يراقبها للحظات. كانت خطواتها هادئة، وظهرها مستقيمًا، ولم تلتفت إليه مرة واحدة. وحين أُغلق باب المصعد خلفها، أطلق غسان زفرة طويلة، ثم مرر يده فوق وجهه. _ إيه اللي بيحصل؟ دي اللي كان بيحبها؟ هي أكيد، شفتها مرة على تليفونه. طب إزاي؟ هي ما اتجوزتش؟ وإزاي ماسة وافقت إنه يتجوز عليها بعد قصة الحب اللي بينهم؟ معقول متجوز دي لسبب تاني؟ استدار نحو الخارج وأخرج هاتفه. _ وصلت مصر ولا لسه؟ _ وصلت، وبالفندق. _ انتظرني، أنا قادم. ❈-❈-❈ توقف مراد عند شرفة المكتب. ــ تفتكر ليه أبويا عمل كده يا عبد الرحمن؟ نهض عبد الرحمن بعدما أشعل سيجاره، ثم أجابه بضيق: ــ معرفش... بتسألني أنا ليه؟ روح اسأله، أنا ماليش دعوة بكل ده. أنا عايز أفصل عن الشغل ده كله يا مراد، مش عايز أكمل في لعبتكم دي. استدار مراد إليه: ــ وأنا موافق. تتنازل عن كل حاجة، بما فيها الورقة اللي أبويا وماسة مضيين عليها بخصوص سيليا. صمت عبد الرحمن للحظات، وظل ينظر إليه قبل أن يسأله: ــ وبعد كده، إيه اللي هيحصل؟ استدار مراد مرة أخرى، وعاد ينظر إلى النيل. ــ ما خلاص، اللي كنا بنعمل حسابه مبقاش موجود. سأله عبدالرحمن بمرارة: ــ وحقي... آخده من مين؟ منك ولا من أبوك؟ التفت إليه مراد سريعًا: ــ أنا مكنتش أعرف أصلًا، وأنتَ اللي غلطان. بص حواليك وشوف غسان، لو طايل يقتلك مش هيتردد. اقترب منه، ونظر لعيناه: ــ البنت اللي حبها سنين، وبنت خاله اللي كان بيعتبرها أخته وصديقة عمره، غير أخوه طبعًا! ــ بس أنا ماليش دعوة بده كله، أنا زيي زيه. أبوك هو السبب في كل ده. ــ روح قوله كده، وخليه يقتل عمه كمان! أصل كده كده أبويا مبقاش هيعيش. نصيحة مني، روح لغسان واحكي له كل حاجة. قهقه عبد الرحمن، وهز رأسه ساخرًا، ثم تراجع إلى الخلف. ــ أروح أقول لغسان إيه؟ أنتَ تقدر تعملها. طب ما أنتَ ابن عمه، والباب مفتوح قدامك! ــ مش هيصدق، لأنه... قاطعه عبد الرحمن بحدة: ــ أناني... مبتفكرش غير في نفسك وبس! طالع لأبوك بالظبط. فكرتوا في نفسكم، والباقي دوستوا عليه. شوفوا أخدتوا مين في سكتكم: ماسة، ونهى، وفراس، وغسان، وأنا في الآخر! صاح مراد في وجهه: ــ أنا مكنتش أعرف! لو كنت أعرف... ــ كنت هتعمل أكتر من اللي عملته مع ماسة، صح؟ ــ أنا كل اللي يهمني دلوقتي إمبراطورية الحداد. مستحيل أخلي واحد غريب يديرها. ــ طظ... ولا تهز فيا شعرة. قالها عبدالرحمن في تلك اللحظة التي دلفت بها ماسة إلى المكتب، وقالت بحسم: ــ أنا عايزة أفضل هنا، مش هرجع إسكندرية. كلمتهم يبعتوا سيليا. التفت ينظر إليها بغضب: ــ طب اعمليها! البنت مش هتسيب بيت أبوها يا مدام. ــ مراد، قول حاجة! ــ أقول إيه؟ علشان تفرحي إنتِ وأبوكي؟ ــ برافو عليك يا عبد الرحمن! أنا بقول تكتب كل حاجة باسمك، بالتوكيل اللي معاك. قالها وخرج، لكنه توقف عندما لمح خديجة تدخل المكتب برفقة السكرتيرة. بقلم سيلا وليد أشار عبدالرحمن إلى السكرتيرة بالانصراف، ثم اقترب من خديجة. خطت الى الداخل ونظراتها على مراد الذي يطالعها بنظرة لم تفهم معناها، فسرتها أنه متضايق من أجل ماسة. قال مراد وهو يبتعد: ــ عبد الرحمن، أنا في مكتبي. ثم غادر، بينما اقتربت ماسة منهما: ــ لما تخلص مع المدام، ابقى تعالى مكتبي أو ابعت لي. الموضوع بقى أوفر أوي! راقبها حتى خرجت، ثم توجه إلى خديجة وسحبها إلى أحضانه. _وصلتي إمتى؟ دفنت رأسها في صدره، لا تعلم لماذا تريد أن تختبئ في أحضانه من الجميع. لف ذراعيه حول جسدها ولثم رأسها، ثم سحبها إلى الأريكة. _إيه الموضوع؟ مكتب مين ده؟ وتحت قالوا لي المدير العام. رفع ذقنها ونظر إلى عينيها. _خديجة، ممكن ما تسأليش في حاجة؟ ابتعدت قليلًا، وأخذت تتلفت حولها، متأملة فخامة المكتب. _إزاي يا عبدالرحمن؟ اديني عقل أشوف ده كله وأسكت! احتضن وجهها بين راحتيه. _عايزك تثقي فيا، أنا مبعملش حاجة غلط. _فهمني... من حقي أفهم، ولا ماسة اللي من حقها بس؟ _لأ يا حبيبتي، أنتِ ليكي كل الحق، ومحدش له حق قدك. الموضوع ده يخص أبو ماسة، الراجل ده عمل توكيل عام بنقل الإدارة ليا. قطبت جبينها بتساؤل. _ليه؟ أنتَ مش بتقول ليها أخ، وكمان ابن عم، ليه أنتَ؟ _معرفش، اتفاجأت زيك. ظلت تطالعه بصمت، فدنا منها وطبع قبلة على ثغرها. _خديجة، دي الحقيقة، صدقيني. عايزك تصدقي كل كلمة. ظلت تنظر إليه فقط، ثم تساءلت: _حاسة إن فيه حاجات كتيرة مخبيها خلف النظرات دي يا عبدالرحمن، بتحاول تسكتني. ضم رأسها إلى صدره وشرد في كلماتها. _عايزة أسألك عن حاجة. _اؤمري. ابتعدت قليلًا ونظرت إليه. _بتقولي إني بس مراتك، طب ماسة إزاي مش مراتك؟ إيه طبيعة العلاقة؟ _ده اللي فهمتيه من كلامي؟ _أنا مفهمتش حاجة، أنا عايزة أفهم. قرص وجنتيها وابتسم. _جوازنا على ورق، ارتحتي؟ _لأ... ما ارتحتش. ليه؟ وإزاي هي راضية؟ وإزاي على ورق وفيه سيليا؟ عايزة... بترت حديثها حين انحنى عبدالرحمن نحوها، وأطبق شفتيه على شفتيها في قبلة هادئة حملت من الحنان ما جعل قلبها يرتجف، وكأنها للحظات استطاعت أن تنسى كل ما يفصل بينهما. لكن اللحظة لم تكتمل... فقد دلف غسان إلى المكتب بعدما عاد مرة أخرى، مدفوعًا بالشكوك التي أخذت تنهش عقله منذ رأى عبدالرحمن وخديجة معًا. تسمّر مكانه بمجرد أن وقعت عيناه عليهما، ثم تراجع خطوة إلى الخلف، وقد ارتسمت على شفتيه ابتسامة اعتذار لم تُخفِ ما يدور في رأسه. _آسف... معرفش إن فيه حد معاك. كانت ماسة ومراد خلفه، وقد شاهد الاثنان ما حدث. انتفضت خديجة مبتعدة عن عبدالرحمن، واشتعل وجهها بالخجل والغضب، ثم نهضت على عجل وغادرت المكتب دون أن ترفع عينيها إلى أحد، وكأنها تهرب من نظراتهم. أما عبدالرحمن، فظل واقفًا للحظة يتابع خروجها بعينيه، قبل أن يستدير نحو غسان بنظرة حادة، انطفأ معها أي أثر للهدوء الذي كان يغمر ملامحه منذ ثوانٍ. _متتخطاش حدودك معايا يا غسان. فيه باب تخبط عليه قبل ما تدخل. لم ينتظر ردّه، بل تحرك خلف خديجة بخطوات سريعة. دلف غسان إلى المكتب مطلقًا صفيرًا خافتًا، ويداه تستقران في جيبي بنطاله، وعلى شفتيه ابتسامة مستفزة. لم تكن تلك الابتسامة موجهة إلى عبدالرحمن الذي غادر، بل إلى ماسة التي وقفت في مكانها جامدة، قبل أن تستدير نحو النافذة، وكأنها تبحث في الخارج عن شيء ينقذها من المشهد الذي ما زالت تراه أمام عينيها. قبلة واحدة... مجرد قبلة عابرة، لكنها كانت كافية لتعيد فتح جرح حاولت عبثًا أن تقنع نفسها بأنه التأم. وهي تراه يقبّل خديجة، كادت تختنق من الداخل. لم يكن الألم في القبلة ذاتها، بل في الطريقة التي انحنى بها عبدالرحمن نحوها. كم تمنّت لو كانت هي مكان خديجة! كم تمنّت أن ينظر إليها بتلك الطريقة، وأن يضمها إليه لأنه يريدها، لا لأنها فرضت نفسها على حياته، وأن ينطق باسمها دون أن يختلط به اسم امرأة أخرى تسكن أعماقه. عادت بذاكرتها إلى يوم ظنّت فيه أنها تستطيع التقرب منه. قبل عودتهم إلى مصر بأسابيع، كانت ماسة قد أعدّت احتفالًا بسيطًا بعيد ميلاد سيليا. أرادت له أن يكون مختلفًا عن كل مرة، وأن يجمعهم معًا في صورة عائلة صغيرة... كما ظنّت. زيّنت المكان ببالونات قليلة، وجهّزت كعكة صغيرة، وانتقت ثوبًا أحمر ناعمًا، أقرب إلى قميص نوم أنيق منه إلى فستان، ثم وقفت أمام المرآة تتأمل نفسها طويلًا. وضعت لمسات من الزينة أبرزت جمال ملامحها، وتركت شعرها ينسدل حول كتفيها. كانت تعرف أن عبدالرحمن لا يحبها، وأن قلبه ظل معلقًا بخديجة، حتى بعد كل ما حدث بينهما. لكنها لم تعد قادرة على احتمال فكرة أن تظل مجرد امرأة تعيش تحت سقف واحد معه، تراه كل يوم، وتقترب منه بما يكفي لتشم رائحته، ثم تعود إلى غرفتها كل ليلة وحيدة. لقد تعلّقت به أكثر مما ينبغي، رغم أنه الرجل الذي لم يعجبها يومًا، ولم تظن أنها ستحاول التقرب منه. فمنذ أن رأته يتعامل بحنان مع سيليا، ومنذ شاهدت كيف يمنح ابنته اهتمامًا لا ينضب، وكذلك احتفاظه بكل ما يخص حبيبته، وحبه الجنوني لها رغم زواجها بآخر، كما أخبرها غسان، بدأت تتعلق بذلك الجانب منه، جانب الوفاء. أخذت تتخيل نفسها جزءًا من حياته، لا مجرد أم لابنته. فُتح باب المنزل أخيرًا، فانتفض قلبها. دخل عبدالرحمن يحمل لعبة ضخمة، وينادي ابنته بصوته الدافئ: _سيليا! يا ترى أميرتي فين؟ ما إن سمعته الصغيرة حتى ركضت نحوه بفرحة، وذراعاها الصغيرتان ممدودتان إليه. انحنى يحملها، ورفعها بين ذراعيه، ثم أخذ يقبّل وجنتيها بحنان. _كل سنة وحبيبة بابي طيبة. ضحكت سيليا، وأحاطت عنقه بذراعيها، ثم طبعت قبلة على وجنته. _سيليا تحب بابي كتتتتتير! سيليا تحب بابي كتتتتتير! انفجر ضاحكًا، وضمها إلى صدره، ثم دار بها في المكان، غير عابئ بشيء سوى ابتسامتها التي كانت كفيلة بأن تمحو عن وجهه تعب يوم كامل. وقفت ماسة تراقبهما، وقد ارتسمت ابتسامة رقيقة على شفتيها. لقد أحبت ابنتها التي كانت تمقتها، بل حاولت قتلها، لكنها أحبتها لحب عبدالرحمن لها. نزلت الدرج بخطوات هادئة، تلفت انتباهه دون أن تقصد، أو ربما كانت تقصد ذلك تمامًا. رفع عبدالرحمن رأسه إلى صوت كعب حذائها، فتوقفت عيناه عليها للحظات، يتأمل هيئتها في صمت، قبل أن يعود إلى ابنته ويجلس على الأريكة، واضعًا الصغيرة فوق ساقيه. اقتربت ماسة منهما، وانحنت لتقبّل ابنتها. رفعت سيليا اللعبة أمام وجهها بحماس. _بابي جابها! ابتسمت ماسة وهي تنظر إلى عبدالرحمن. _طبعًا، بابي طول عمره لازم يجيب لك لعبة حلوة ومميزة يا سيلي. ابتسم عبدالرحمن لابنته، فمالت الصغيرة نحوه وقبّلته مرة أخرى، قبل أن تنزل عن ساقيه وتركض نحو الكعكة التي تتوسط الطاولة. تابعها بعينيه مبتسمًا، ثم قال: _يلا بقى علشان نحتفل بعيد ميلاد أميرة بابي. بقيت ماسة واقفة أمامه، تتأمل ملامحه التي كانت أكثر هدوءًا في تلك اللحظات. انحنت قليلًا حتى أصبحت في مستوى عينيه، ثم همست بابتسامة حاولت أن تجعلها طبيعية: _كل سنة وتجيبلها يا عبدالرحمن. لم يُجبها. ظل ينظر إليها بصمت، وقد بدأت ملامحه تتغير حين لاحظ اقترابها الزائد، والطريقة التي أخذت تتعمد بها تقليص المسافة بينهما. وضعت كفيها على شعره، وأخذت تمرر أصابعها داخل خصلاته ببطء، حتى كادت أنفاسهما تتلامس. _مش هنحتفل بعيد ميلاد سيليا بس... أنا السنة دي لأول مرة عايزة أحتفل معاك أنتَ وبس. تقلصت ملامحه قليلًا، ونظر إليها نظرة متفحصة. _عايزة إيه يا ماسة؟ لم تجبه، بل اقتربت أكثر، ثم دفنت وجهها عند عنقه، تستنشق عطره الذي حفظته عن ظهر قلب. تجمّد من فعلتها، وتوقف عقله للحظات، لكنها همست بصوت خافت، متعمد الإغراء: _أحبك وتحبني. تصلب جسده للحظة. كان عليه أن يبتعد، أن يوقفها عند حدها، وأن يتذكر أن قلبه لم يكن ملكه وحده. لكن رائحتها، تلك الرائحة التي يحفظها قلبه قبل عقله، رائحة حبيبته الغائبة، جعلت عقله يتيه. فباغتته بقبلة على وجنته، ثم رفعت وجهها إليه، وعيناها تتعلقان بعينيه بإلحاح موجع. _حبني يا عبدالرحمن. خرجت الكلمات من شفتيها محملة بالمشاعر، ثم اقتربت تقبّله. وفي لحظة ضعف خاطفة، وهو يتخيلها خديجة، أغمض عينيه ولم يقاوم؛ استجاب لقبلتها، فتشبثت به وفسّرت استجابته على أنها انتصار. جلست فوق ساقيه، وأحاطت عنقه بذراعيها، وأخذت تهمس له بكلمات رومانسية. أما هو، فقد أخذت مشاعره تتداخل وارتفع نبضه. غابت عنه حقيقة أنها ماسة، واختلط عليه الحاضر بالماضي، حتى خرج اسم من بين شفتيه في همس خافت، اسم المرأة التي لم يستطع قلبه تجاوزها. _خديجة... تجمدت ماسة للحظة بعدما سمعت الاسم بوضوح، وشعرت كأن شيئًا باردًا انسكب في صدرها، لكنها سرعان ما تجاهلت ما سمعته، وأقنعت نفسها بأنه ربما يأتي يوم ينساها فيه... لقد انتوت أن تنسيه. تعرف بأمر حبيبته، وتعرف أن خديجة لم تكن امرأة عادية في حياته، لكنها لم تعد تفكر في عواقب ما تفعله. لم تكن تريد سوى أن تشعر بأنه لها، ولو لدقائق قليلة، بعد أن رأت بعينيها مقدار الحب والحنان الذي يمنحه لخديجة ولابنته. اقتربت أكثر، تهمس له بما يحبه العشاق، وتحاول أن تشغله عن كل شيء سواها. وللحظات، غاب عنه وعيه بما يحدث حوله، واستسلم لضعف لم يكن يشبهه، بينما كانت ماسة تتوهم أنها انتزعت قلبه أخيرًا. لكن صوت الصغيرة شقّ تلك اللحظة فجأة. صرخت سيليا بألم وهي تحاول إشعال الشموع، بعدما لامست النار أطراف أصابعها. _آآآه! بابي! انتفض عبدالرحمن من مكانه، وكأن صرختها انتزعته من عالم آخر وأعادته إلى واقعه دفعة واحدة. ابتعد عن ماسة بسرعة، ونظر حوله بذهول، ثم وقع بصره على ملابسه المضطربة، وعلى وجهها الذي كان يلمع بالانتصار قبل ثوانٍ. ثم سمع بكاء ابنته. هبّ واقفًا واتجه إليها بخطوات سريعة، وانحنى أمامها، يحتضن كفها الصغير بين يديه. _وريني كده يا حبيبتي... وريني صباعك. أخذ ينفخ برفق على أناملها، ويتفحص موضع اللسعة بقلق، بينما كانت الصغيرة تبكي وتتعلق به. _خلاص يا قلب بابي، خلاص... أنا معاكي، مفيش حاجة، متخافيش. رفع رأسه يبحث عن المربية، ثم نادى بصوت مرتفع: _محدش هنا؟! وقفت ماسة خلفه، تحاول استعادة هدوئها، ثم قالت ببرود متوتر: _مفيش حد يا عبدالرحمن. لم يرد عليها. حمل سيليا بين ذراعيه، وضمها إلى صدره، ثم اتجه بها إلى غرفته. جلس مع ابنته، وأحضر الكريم المناسب، واعتنى بأصابعها الصغيرة حتى هدأت، وظل يربت على ظهرها ويهمس لها بكلمات مطمئنة، إلى أن غلبها النعاس واستسلمت للنوم بين ذراعيه. ظل يتأمل وجهها الصغير طويلًا، ثم طبع قبلة على جبينها، وشدّ الغطاء حولها. وحين اطمأن إلى نومها، نهض بهدوء وغادر. لكنه ما إن خرج حتى وجد ماسة واقفة عند الباب، تنتظره، وعيناها تلاحقانه برجاء لم يعد يحتمل رؤيته. حاول تجاوزها دون كلمة، لكنها أمسكت بذراعه. _عبدالرحمن! توقف، ونظر إلى يدها الملتفة حول ذراعه، ثم رفع عينيه إليها ببطء. _سيبيني يا ماسة. _استنى، اسمعني بس... انتزع ذراعه من قبضتها، وقد بدأ الغضب يتصاعد في عينيه. _قلت لك سيبيني! ارتبكت للحظة، لكنها لم تتراجع. كانت تعرف أن ما حدث لن يتكرر بسهولة، وأنها إن تركته يرحل الآن، فقد تخسر حتى الوهم الذي تعلقت به. _أنتَ هتعمل إيه دلوقتي؟ هتتجاهل اللي حصل كأن مفيش حاجة؟ نظر إليها بذهول، كأنه لا يصدق أنها تسأله هذا السؤال. _أنتِ بتتكلمي عن إيه يا ماسة؟ اقتربت منه خطوة، وقد بدأت نبرة صوتها تحمل شيئًا من العتاب الممزوج بالغضب. _عننا يا عبدالرحمن! عن اللحظة اللي كنت فيها معايا، عن إنك استجبتلي، وإنك للحظة واحدة نسيت كل حاجة! اشتدت ملامحه، وأطبق فكيه بقوة. _أنتِ اللي حاولتي تفرضي نفسك عليَّ، وأنا غلطت لما سمحت للحظة ضعف إنها تسيطر عليَّ. بس متجيش تفسري غلطي على مزاجك، ولا تبني عليه حاجة مش موجودة. ارتجفت شفتاها، لكنها تماسكت، ثم ألقت بالكلمات التي كانت تعرف أنها ستصيبه في أعمق مواضع ألمه. _كل ده علشان خديجة؟ حبيبتك اللي خانتك وراحت اتجوزت غيرك؟ لسه بتحبها بعد كل اللي عملته فيك؟! وصل أمامها وصفعها بقوة جعلت رأسها يميل إلى الجانب، وتراجعت خطوة وهي تضع كفها على خدها، غير قادرة على استيعاب ما حدث. لكنه لم يتوقف عند غضبه. أمسكها من شعرها، وأجبرها على النظر إليه، وعيناه تقدحان شررًا. _إياكي تجيبي اسمها على لسانك تاني! سمعتي ولا لأ؟! شهقت، وقد تجمد الدم في عروقها من شدة الخوف. _عبدالرحمن، أنتَ بتوجعني! أفلت شعرها بعنف، ثم ابتعد عنها، يمرر كفه فوق وجهه، كأنه يحاول أن يمحو ما حدث، أو ينتزع ما حدث من رأسه. لم يكن غضبه منها وحدها، بل من نفسه أيضًا؛ من ضعفه الذي سمح لتلك اللحظة أن تحدث، ومن قلبه الذي لم يستطع أن يمنح امرأة أخرى شيئًا مما ظل يحتفظ به لخديجة. كان يكره أن يشعر بأنه فقد السيطرة على نفسه، ويكره أكثر أن يقترب أحد من الجرح الذي يحاول إخفاءه عن الجميع. أما ماسة، فظلت واقفة في مكانها، تحاول استيعاب قسوته، ودموعها تتجمع في عينيها. لقد أرادت أن تجعله يحبها، لكنها انتهت إلى تذكيره بالمرأة التي يحبها أكثر. أرادت أن تنتصر، فوجدت نفسها أمام رجل يرفضها، لا لأنها لم تكن جميلة بما يكفي، ولا لأنها لم تحاول بما يكفي، بل لأن قلبه كان في مكان آخر، مكان لا تستطيع الوصول إليه مهما اقتربت منه بجسدها. اندفع عبدالرحمن مبتعدًا عنها، واتجه إلى غرفته بخطوات غاضبة، ثم أغلق الباب خلفه بعنف. دوّى صوت تحطم شيء في الداخل. تراجعت ماسة مذعورة، وحدقت في الباب المغلق. ثم جاء صوته، مبحوحًا، غاضبًا، كأنه يصرخ في وجه خديجة: _بكرهك يا خديجة! لم تكن تعرف إن كان يكره خديجة حقًا، أم يكره نفسه لأنه ما زال يحبها، رغم كل ما حدث، ورغم كل محاولاته لإقناع نفسه بأنه تجاوزها. لكن صوته لم يحمل كراهية خالصة بقدر ما حمل عجزًا موجعًا؛ عجز رجل لم يستطع أن ينسى، ولم يعد يعرف كيف يعيش بما تبقى منه. ظلت ماسة تنظر إلى الباب، تسمع صوت تحطيم الأشياء وصراخه المتقطع، وكلما ارتفع صوته، شعرت بأن شيئًا داخلها ينكسر معه. خرجت من شرودها على صوته وهو يدلف إلى الداخل. _عايز إيه يا غسان؟ انتفض قلبها قبل أن تلتفت إليه، وكأنها كانت تنتظر عودته رغم كل ما يعتمل في صدرها من وجع. التفتت إليه، وتجمعت الدموع في عينيها دون استئذان. لم تكن تستطيع محو الصورة التي ظلت تطاردها طوال الوقت؛ قبلاته لخديجة، وطريقته في الاقتراب منها، وكأن العالم بأسره لا يتسع إلا لهما. بقلم سيلا وليد ابتلعت غصتها، ثم اقتربت منه بخطوات مترددة، تسأله بصوت حاولت أن تجعله ثابتًا رغم ارتجافه: _كنت فين كل ده؟ لم يجبها. حتى إنه لم يمنحها نظرة واحدة، وكأن سؤالها لا يستحق منه عناء الرد. تجاوزها متجهًا إلى المقعد، وجلس عليه بملامح جامدة، بينما ظلت واقفة. دخل مراد، رفع غسان رأسه إليهما، ثم أشار إلى المقاعد أمامه. _اتفضلوا، نقعد نتكلم في اللي حصل النهارده... جلس مراد، بينما استقر عبدالرحمن في مقعده بصمت أثار ضيق غسان، الذي مرر يده على وجهه بعصبية، ثم قال بنبرة غاضبة: _سمعتوا الغضب اللي كان في الاجتماع؟ بقالنا شهور والدنيا واقعة، وأسهم الشركات بتنهار، والأعضاء مش سايبين لنا فرصة نتنفس! عايزين خطة واضحة ترفع الأسهم تاني، مش هنفضل واقفين نتفرج على اللي بيحصل! التفت إلى مراد، وأردف بلهجة آمرة: _تجتمع مع الوكلاء في الشرق، وتشوف آخر التطورات والأخبار، وتراجع كل الاتفاقيات اللي ممكن تكون أثرت على وضعنا في السوق. عايز تقرير كامل قدامي في أسرع وقت. أومأ مراد بهدوء، بينما استدار غسان نحو ماسة، التي وقفت على مسافة منه، تحاول أن تتماسك أمام نظراته الحادة. _وأنتِ، شوفي كل المشاريع والتطورات، وادرسيها كويس قبل الاجتماع الجاي. عايزك تبقي عارفة كل تفصيلة، وكل احتمال ممكن يتطرح قدامنا، لأن اللي حصل النهارده مهزلة! قاعدين قدام الأعضاء ومش عارفين نرد على سؤال واحد بشكل مقنع! رفعت ماسة عينيها إليه، ثم أجابته بفتور يخفي خلفه انكسارًا عميقًا: _أنا مبقاش ليا شغل في الشركة يا غسان. كل حاجة بقت تحت إدارة عبدالرحمن دلوقتي. نهض غسان من مكانه بعنف، حتى احتك المقعد بالأرض محدثًا صوتًا حادًّا. تقدم نحوها بخطوات واسعة، وفي عينيه غضب كاد يبتلع ما تبقى من صبره. _أنتِ بتقولي إيه؟ تراجعت ماسة نصف خطوة، لكنها لم تخفض عينيها عنه. _أنا سلّمت كل حاجة، ومبقتش مسؤولة عن أي قرار يخص الشركة. اقترب منها أكثر، حتى لم يعد يفصل بينهما سوى خطوات قليلة، ثم قال من بين أسنانه: _اسمعيني كويس يا ماسة، المشاكل الخاصة حاجة، وشغلنا حاجة تانية خالص. مش معنى إن حياتك الشخصية فيها مشاكل إنك تيجي على شغلك وتسيبيه يقع! فوقي لنفسك، واستلمي مسؤولياتك، وراجعي كل الملفات اللي عندك. ثم أشار بيده في انفعال، وأضاف بلهجة قاطعة: _أما الورق اللي سلّمتيه، فبليه واشربي ميته، إنتِ والباشا اللي قاعد جنبك! رفع عبدالرحمن عينيه إليه ببطء، دون أن تتغير ملامحه، بينما اشتعل الغضب في عيني ماسة، لا من كلماته وحدها، بل من طريقته في الحديث عنها أمام الآخرين، وكأنها موظفة صغيرة يقف ليحاسبها. استدار غسان نحو عبدالرحمن، وحدق فيه بتحدٍّ واضح. _وأتمنى الأستاذ يرجع يفكر تاني في قراره، ويركن العلاقات الخاصة على جنب. الشركة مش لعبة، ومش كل واحد يزعل يقوم سايب مسؤولياته ويمشي! لم يتحرك عبدالرحمن في البداية، لكنه رفع رأسه إليه ببطء، وكأن الكلمات وصلت إلى آخر خيط يربط غضبه بصبره. ثم نهض. كانت حركته مفاجئة، وتقدم نحو غسان بخطوات هادئة؛ هدوء لم يحمل أي طمأنينة، بل أنذر بعاصفة توشك أن تنفجر. توقف أمامه مباشرة، وقال بصوت منخفض، لكنه كان حادًّا بما يكفي ليجعل الكلمات تتساقط كحد الس\كين: _أنتَ قلت إيه يا غسان؟ رفع غسان ذقنه بعناد. _اللي سمعته. إحنا في شغل. انتفض مراد واقفًا، بينما تجمدت ماسة في مكانها، وقد اتسعت عيناها وهي تنظر إلى مراد خوفًا مما يحدث. أصبح عبدالرحمن واقفًا أمام غسان، فقال بنبرة هزت سكون الغرفة: _اسمعني كويس يا غسان، لأن الكلام ده مش هقوله تاني. يمكن السنين اللي فاتت نسّتك مين هو عبدالرحمن، ويمكن وجودي وسطكم خلاك تفتكر إنك تقدر تأمرني وتحدد لي أعمل إيه وماعملش إيه، بس واضح إنك نسيت أنا مين! انحنى قليلًا نحوه، وأسند كفيه إلى ذراعي المقعد، ثم أردف بصرامة: _أنا مباخدش أوامر من حد، ولا بسمح لحد يفرض عليَّ قراراته. الشركة عندك؟ أهي عندك، ويارب تعمل اللي أنتَ عايزه فيها! تولع، تخسر، تكسب، دي حاجة تخصك ومبقتش تعنيني. ولو على الأسهم اللي ليا فيها، فاعتبرها مقابل السنين اللي قضيتها وسطكم، أو اعتبرها مشروع بيني وبينك وأنتَ اللي كسبته. أنا مش واقف على باب الشركة مستني منك تمن تعبي، ولا محتاج أفضل فيها علشان أثبت لك إن ليَّ قيمة! كانت كلماته تخرج من صدر أثقله ما مر به، ولم يعد لديه استعداد لخوض معارك جديدة لإثبات براءته أمام غسان الذي لا يريد أن يفهمه. استقام في وقفته، ثم استدار نحو ماسة. تغيرت ملامحه للحظة، وانطفأ شيء من حدة الغضب في عينيه، لكن صوته ظل حاسمًا وهو يقول: _أما بخصوص مراتي، فدي حاجة تانية. ثم أعاد نظره إلى غسان، وتابع بلهجة لم تقبل جدالًا: _لما تتكلم مع ماسة، تتكلم معاها في حدود إنها بنت عمك، مش موظفة عندك ترفع صوتك عليها وتأمرها وتنهى معاها زي ما إنت عايز. طول ما هي على ذمتي، محدش له عندها أمر ولا نهي بالطريقة دي، وأنا أول واحد مش هسمح بكده. تجمدت ماسة في مكانها، تتابع حديثه والكلمة التي نطق بها. مراتي... كلمة واحدة، لكنها اخترقت قلبها. كم مرة انتظرت منه أن يتذكرها بهذه الصورة؟ أن يشعر بها، وأن يدافع عنها دون أن تضطر إلى طلب ذلك؟ خفضت عينيها، تخشى أن تفضحها دموعها، بينما تابع عبدالرحمن حديثه دون أن يلتفت إليها. _أنا هنا علشان كلمة وعدت بيها غياث الحداد، والوعد عندي مش بيتكسر، حتى لو كان على حساب راحتي. غير كده، لا أنتَ ولا شركاتك ولا أي حاجة تخصك تلزمني. _وأظن الفترة اللي قضيتها معاكم كفاية علشان تعرفوا إن عبدالرحمن مبيخدش قرش إلا وهو تعب فيه، ومبيمدش إيده لحاجة مش من حقه. أخرج نفسًا طويلًا، ثم ألقى نظرة سريعة على ساعته، وكأن وجوده في ذلك المكان أصبح أثقل عليه من أن يتحمله دقيقة إضافية. تحرك نحو المكتب، وسحب ورقة كانت موضوعة فوقه، ثم عاد ووضعها أمام غسان. _الورقة دي فيها تنازل واضح عن إدارة كل حاجة تخصني في الشركة خلال فترة غيابي. من النهارده، إنت المسؤول عن كل القرارات، وكل الحسابات، وكل اللي هيحصل. اعتبرني مش موجود خالص، ومتحاولش ترجع لي في أي حاجة، لأن قراري نهائي. تطلع غسان إلى الورقة أمامه، ثم رفع عينيه إلى عبدالرحمن، والغضب يشتعل في ملامحه. كان يريد أن يرد، أن يوقفه، لكنه لم يجد كلمة واحدة تستطيع أن تهز ثباته. فعبدالرحمن لم يكن رجلًا يهدد بالرحيل ليُسترضى، ولم يكن من أولئك الذين يتراجعون حين ترتفع الأصوات في وجوههم. حين يتخذ قراره، يصبح الرجوع عنه أصعب من خسارة كل ما تركه خلفه. التفت عبدالرحمن نحو ماسة، التي كانت لا تزال واقفة في مكانها. _ماسة، يلا. رفعت رأسها إليه، ثم نظرت إلى غسان الجالس على المقعد، وقد استقرت عيناه عليها بنظرة مشتعلة، كأنها لو كانت سهمًا لانطلق من عينيه وأصابها في مقتل. ارتجفت أنفاسها، لكنها لم تمنحه فرصة لرؤية ضعفها. استدارت دون أن تنطق بكلمة، ولحقت بعبدالرحمن الذي سبقها إلى الخارج خرجت ماسة معه من الشركة، توقف أمامها _العربية هتوصلك على قصر ابوكي _انت مش هتيجي معايا التفت لسيارته التي تجلس بها خديجة تنظر اليهم _لا... لو احتجتي حاجة كلميني نظرت اليه بصمت، ثم اقتربت منه بعدما لمحت نظرات خديجة عليهم ثم طبعت قبلة على وجنتيه وتراجعت تنظر لعينه _شكرا على االي قولته قدام غسان اتجه بنظره سريعا الى خديجة، ثم التفت الى ماسة _مكنش له لزوم اللي عملتيه دلوقتي _ليه مش جوزي، وكمان عايزة اشكرك على اللي قولت اشار اليها بتهديد _انت عارفة انا قولت كدا ليه، بلاش الحركات دي تمام ارتدت نظارتها، ثم اتجهت الى السيارة _متتأخرش على الحفلة، الكل عارف انك المدير العام للجروب الحداد اتجه لسيارته دون رد، صعد بجوار خديجة _اسف اتأخرت _مفيش مشكلة توقف حديثه على رنين هاتفه _عبدالرحمن بيه، الحفلة هتكون في فندق ( ) _تمام وضعت خديجة رأسها على زجاج السيارة شغل المحرك قبل أن يسحبها لأحضانه تبسمت بسخرية _عروسة مارينوت قبل رأسها دون رد، وتحرك لدقائق، ثم قال _فيه حفل بالليل، اعملي حسابك هتحضريها _بصفتي ايه ياعبد الرحمن بيه غرس عيناه لعيناها _روح قلبي _امممم... فهمت بمنزل خالد _مبروك ياخالد، اخيرا بقى لينا حاجة لنفسنا _نسيتي جيداء، دي شريكة نهضت وجلست على ذراع المقعد _لا... دي سيبك منها، المهم الادارة مع مين رفع عيناه اليها _ماتثقيش في حد أوي انحنت تتلاعب بزر قميصه _متقلقش، عايزاك بقى تهتم اوي، وتشوف مهندسين بخبرة جوز أختك، فاكر كان مخلي للورشة زباين ازاي _جيهان شيلي اختي وجوزها من دماغك تمام _ماشي ياخالد، المهم اهتم بالورشة انا هتصل بجيداء تيجي علشان نتفق على المطلوب علشان نرجع الورشة تاني نهض من مكانه وصعد الى غرفته _لما تيجي يبقى عرفيني مساء بالقاهرة أنهت ارتداء ثيابها بمساعدة احدى مالكي ارقى صالونات التجميل، تراجعت للخلف تنظر لهيئة خديجة _حلوة ماشاء الله _شكرا لحضرتك دلف بعد دقائق، بعدما خرجت السيدة، اطلق صفيرًا وهو يراها بتلك الهيئة _لا كدا... مفيش حفلة _نعم بتهزر مش كدا لف ذراعيه حول خصرها _ماهو صعب اسيبك كدا، خديجة، مش هتنزلي كدا، انا كنت رافض اصلا موضوع الميكب ارتست، بس حبيت مزعلكيش _عبدالرحمن هنزل كدا، لابسة فستان واسع، حجابي على شعري، ومفيش مكياج ملفت، دا اقل حاجة _بس تخطفي العقل ياخديجة _عبدالرحمن... انت اللي شايفني كدا، انا هنزل كدا، ولو مرحتش الحفلة مع مدامك التانية، هنزل اسكندرية حالا، ويبقى عارض، مش هي اللي تبقى قدام الكل مراتك، ولا خايف على شكلها صمت ينظر اليها، ثم هز رأسه _تمام.. بس انا مش وافقت علشان تهديدك، لا... علشان الغي غباءك... لان الكل عارف انك مراتي _يبقى ماتتكلمش قالتها بعصبية، وخرجت _استني عندك... قولت هتروحي بس مش بالشكل دا اشارت على نفسها _مش هخرج غير كدا، عاجبك ولا لا ميهمنيش جز على اسنانه وارتفعت انفاسه، ورغم ارتباكها من نظراته تحركت للخارج بعد مرور بعض الوقت، دلف إلى قاعة الحفل، وهو يعانق ذراعها بذراعه، كانت ترتدي فستانًا ذهبيًّا أنيقًا يصل إلى كاحليها، ينساب على جسدها بقصّة ضيقة أبرزت رشاقتها، بينما انسدل حجابها باللون ذاته حول وجهها، وزيّنت إطلالتها بعض الإكسسوارات الرقيقة التي زادتها جمالًا ورقيًّا. بدت هادئة، متماسكة، وإن كان بداخلها ما لا تستطيع الكلمات وصفه وصلا إلى الطاولة المخصصة لهما، فسحب المقعد برفق، وأشار إليها بالجلوس، منتظرًا حتى استقرت في مكانها، ثم انحنى نحوها، هامسًا بصوت خافت: _شوية وراجع يا حبيبتي، لازم أكون موجود مع مراد وغسان... مش هتأخر عليكي. رفعت عينيها إليه، والتقت نظراتهما للحظة قصيرة، قبل أن تجيبه بابتسامة باهتة لم تصل إلى عينيها: _ تمام. ظل يتأمل ملامحها لثوانٍ، وكأنه يحاول قراءة ما تخفيه خلف هدوئها، ثم مرّر أصابعه برفق على كفها، وضغط عليه ضغطة حانية قبل أن يستقيم مبتعدًا عنها. راقبته وهو يتحرك نحو مراد وغسان، يتبادل معهما الحديث والترحيب بالمدعوين، حتى ابتعد عنها تمامًا، فتنفست ببطء، وأسندت ظهرها إلى المقعد، محاولةً أن تبدو طبيعية وسط الأضواء والموسيقى وأصوات الضحكات التي ملأت المكان. أدارت عينيها في أرجاء القاعة بلا اهتمام حقيقي، تتأمل الوجوه المتناثرة حول الطاولات، إلى أن توقفت نظراتها فجأة عند ماسة! كانت تقف على مسافة غير بعيدة منها، تتحدث مع أحد الرجال، وقد ارتسمت على شفتيها ضحكة عفوية، بدت معها منسجمة تمامًا في الحديث، بينما كان الرجل يبادلها الابتسام باهتمام واضح. تجمدت ملامحها لوهلة، وانقبض قلبها على نحوٍ لم تفهمه في البداية، ثم شعرت بشيء ثقيل يستقر في صدرها، مضى وقت ولم يعود، فجأة استمعت إلى صوت أصبح مألوف، يسحب المقعد قبل أن يقول _منورة خديجة هانم التفت إليه سريعًا، تنظر إلى جلوسه باارتباك وراحت عيناها تبحث عن عبدالرحمن _شكرًا... همست بها رفع كوبه يرتشف منه قليلًا، وعيناه تلتهم تفاصيلها، نعم لقد اغراه جمالها الهادئ للمرة الثانثة، راحت عيناه على وجهها الدائري بلونه الابيض المقبول، وعيناه البني الواسع مع فمها.. حقا جميلة، حتى همس عقله _له حق يموت عليها عبدالرحمن ودون وعي نطق _انا حقيقي مش بعاكس، بس المصريين حلوين اوي طرقت لحظة صامتة وهي تهرب من نظراته، وعيناها تتجول تبحث عن زوجها، حتى وقعت عليه يقف مع ماسة واحد الرجال ويضحكون بصوت مرتفع، ابتلعت غصتها لينزاح قليلا، وتعلم بهوية الرجل، فؤاد ابن خاله.. اشتعل داخلها، استدار غسان ينظر لما تنظر اليه مع تعبيرات وجهها الحزينة، حتى وقعت عيناه على ماسة التي تحتضن ذراع عبدالرحمن وتقف مع بعض من الرجال رأى النادل فاشار اليه _واحد فراولة هنا قالها وتعلقت عيناه بعيني خديجة التي تجمعت بها الدموع _عارف انك بتحبي الفراولة، عبدالرحمن قالي مرة راحت عيناه عند عبدالرحمن تابع _اصلنا كنا قريبين اوي، اوي فوق ماتتخيلي، حتى قالي انك فضلتي راجل تاني عليه بعد قصة حب عنيفة، هي مكنتش عنيفة برضو ولا ايه تحررت دمعة من عينيها،لقد اصابت كلماته قلبها كالسهم، ابتلعت غصتها وقالت _ممكن تقوم لو سمحت، مااتعودتش اتكلم مع راجل غريب سحب منديلًا من فوق الطاولة،ومده إليها _خليه معاكي هتحتاجيه كتير،كتير أوي في تلك اللحظة،التفت عبدالرحمن وهو مبتسمًا فوقعت عيناه على ذلك المشهد