الجزء الثاني من الفصل الخامس عشر من طعم في يدا أليفة بقلم سيلا وليد

مد غسان يده نحو الملف وفتحه بتمهل، رغم أنه كان يعلم جيدًا ما يحتويه. لم يكن بحاجة إلى قراءة الكلمات حتى يعرف حجم العاصفة التي ستثيرها تلك الأوراق.

على الجانب الآخر، جلس عبدالرحمن مستندًا إلى مقعده، لا يبدو عليه أي اهتمام بما يحدث، وكأن وجوده في الاجتماع مجرد مجاملة لا أكثر.

رفع رأسه نحو المحامي، وسأله بنبرة عملية خالية من الحماس:
_ طيب، أستاذ مراد والباشمهندس غسان ليهم حق إنهم يعملوا اجتماع مغلق قبل الاجتماع الرسمي، إنما أنا لازمتي إيه؟ أنا مجرد شريك في شوية أسهم، ومالي أصلًا بأي تفاصيل إدارية تخص الشركة.

لم ينتظر إجابة، بل أدار قلمه بين أصابعه بملل واضح، حتى انفتح باب القاعة فجأة.

ودلفت ماسة.

كانت ترتدي ثوبًا أنيقًا ينساب على جسدها برقة، وشعرها مصفف بعناية، بينما ارتسمت على شفتيها ابتسامة هادئة وهي تلقي تحية المساء على الموجودين.

لكن شخصًا واحدًا لم يسمع تحيتها.

ما إن اخترقت نبرتها المكان، حتى رفع غسان عينيه إليها، فتوقفت أصابعه عن الحركة فوق شاشة هاتفه، وتجمدت ملامحه للحظة خاطفة، قبل أن يرفع عينيه إليها ببطء.

وكأن السنوات التي مرت لم تكن سوى ستار رقيق انزاح فجأة، ليكشف له وجهًا ظن أنه تعلم كيف يراه دون أن يتألم.

ما زالت جميلة…

يا لغباء قلبه!

حتى بعد كل تلك السنوات، وبعد كل ما حدث بينهما، وبعد كل المسافات التي تعمد أن يصنعها، ظل قلبه يعرفها قبل أن تستقر عيناه عليها.

لم يكن جمالها وحده ما أوقف أنفاسه، بل تلك التفاصيل الصغيرة التي لم ينسها يومًا؛ الطريقة التي ترفع بها ذقنها حين تدخل مكانًا، وابتسامتها التي تمنحها للجميع دون أن تكشف عما يدور خلفها، وحتى تلك الخطوة الهادئة التي كانت تسبقه دائمًا حين يخرجان معًا.

تفاصيل ظن أنه دفنها في مكان لا يستطيع الوصول إليه.

لكنها عادت إليه دفعة واحدة، دون استئذان، ودون رحمة.

ولثانية واحدة، لم يرَ المرأة التي تقف أمامه الآن، بل رأى الفتاة التي أحبها ذات يوم، حين كان قلبه أكثر بساطة، وحين كان يعتقد أن الحب وحده قادر على أن ينتصر على كل شيء.

ثم اصطدم بالحقيقة.

هي لم تعد حبيبته.

وهو لم يعد ذلك الرجل الذي كان يظن أن العالم يتوقف عند ابتسامتها.

خفض عينيه سريعًا، وأعاد تركيزه إلى هاتفه، متظاهرًا بالانشغال، بينما كانت أصابعه تضغط على الجهاز بقوة لم ينتبه إليها أحد.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!