الجزء الثاني من الفصل الخامس عشر من طعم في يدا أليفة بقلم سيلا وليد
ظلت تطالعه بصمت، فدنا منها وطبع قبلة على ثغرها.
_خديجة، دي الحقيقة، صدقيني. عايزك تصدقي كل كلمة.
ظلت تنظر إليه فقط، ثم تساءلت:
_حاسة إن فيه حاجات كتيرة مخبيها خلف النظرات دي يا عبدالرحمن، بتحاول تسكتني.
ضم رأسها إلى صدره وشرد في كلماتها.
_عايزة أسألك عن حاجة.
_اؤمري.
ابتعدت قليلًا ونظرت إليه.
_بتقولي إني بس مراتك، طب ماسة إزاي مش مراتك؟ إيه طبيعة العلاقة؟
_ده اللي فهمتيه من كلامي؟
_أنا مفهمتش حاجة، أنا عايزة أفهم.
قرص وجنتيها وابتسم.
_جوازنا على ورق، ارتحتي؟
_لأ… ما ارتحتش. ليه؟ وإزاي هي راضية؟ وإزاي على ورق وفيه سيليا؟ عايزة…
بترت حديثها حين انحنى عبدالرحمن نحوها، وأطبق شفتيه على شفتيها في قبلة هادئة حملت من الحنان ما جعل قلبها يرتجف، وكأنها للحظات استطاعت أن تنسى كل ما يفصل بينهما.
لكن اللحظة لم تكتمل… فقد دلف غسان إلى المكتب بعدما عاد مرة أخرى، مدفوعًا بالشكوك التي أخذت تنهش عقله منذ رأى عبدالرحمن وخديجة معًا.
تسمّر مكانه بمجرد أن وقعت عيناه عليهما، ثم تراجع خطوة إلى الخلف، وقد ارتسمت على شفتيه ابتسامة اعتذار لم تُخفِ ما يدور في رأسه.
_آسف… معرفش إن فيه حد معاك.
كانت ماسة ومراد خلفه، وقد شاهد الاثنان ما حدث.
انتفضت خديجة مبتعدة عن عبدالرحمن، واشتعل وجهها بالخجل والغضب، ثم نهضت على عجل وغادرت المكتب دون أن ترفع عينيها إلى أحد، وكأنها تهرب من نظراتهم.
أما عبدالرحمن، فظل واقفًا للحظة يتابع خروجها بعينيه، قبل أن يستدير نحو غسان بنظرة حادة، انطفأ معها أي أثر للهدوء الذي كان يغمر ملامحه منذ ثوانٍ.
_متتخطاش حدودك معايا يا غسان. فيه باب تخبط عليه قبل ما تدخل.
لم ينتظر ردّه، بل تحرك خلف خديجة بخطوات سريعة.
دلف غسان إلى المكتب مطلقًا صفيرًا خافتًا، ويداه تستقران في جيبي بنطاله، وعلى شفتيه ابتسامة مستفزة.
لم تكن تلك الابتسامة موجهة إلى عبدالرحمن الذي غادر، بل إلى ماسة التي وقفت في مكانها جامدة، قبل أن تستدير نحو النافذة، وكأنها تبحث في الخارج عن شيء ينقذها من المشهد الذي ما زالت تراه أمام عينيها.
قبلة واحدة… مجرد قبلة عابرة، لكنها كانت كافية لتعيد فتح جرح حاولت عبثًا أن تقنع نفسها بأنه التأم.
وهي تراه يقبّل خديجة، كادت تختنق من الداخل. لم يكن الألم في القبلة ذاتها، بل في الطريقة التي انحنى بها عبدالرحمن نحوها. كم تمنّت لو كانت هي مكان خديجة!