الجزء الثاني من الفصل 16 من طعم في يدا أليفة بقلم سيلا وليد
*أهي غبية إلى هذا الحد؟ أم أن قلبها، رغم كل شيء، ما زال أضعف من أن ينجو منه؟*
شعر عبدالرحمن باستسلامها، فابتعد قليلًا يتأمل وجهها الشاحب، ثم سحبها معه نحو الفراش. تمدد على جانبه، وجذبها إلى صدره من جديد، محاصرًا إياها بذراعه، كأنه يخشى أن تفيق من صمتها وتقرر الرحيل.
ظل يمرر أصابعه بين خصلات شعرها، بينما كانت عيناه معلقتين بالسقف، غارقتين في ظلامٍ لم يعد يعرف كيف يخرج منه.
وفجأة، قال بصوت خافت، غريب الهدوء:
_بعد ماكلمتيني، ماسة انتحرت.
انتفضت خديجة بين ذراعيه، ورفعت رأسها إليه بفزع، بينما اتسعت عيناها، وتجمّدت الكلمات على شفتيها.
_إيه؟!
التفت إليها ببطء، وتأمل ملامحها المصدومة، ثم رفع خصلة من شعرها عن وجهها، ومرر أنامله على وجنتها المرتجفة.
لتقول بغصة مريرة
_بسببي، صح؟ انتحرت بسببي؟
استدار نحوها، وطالعها بتهكم
_هتفرق..
ارتجفت شفتيها تنظر اليه بجمود
_هي عندها حق
اغمض عيناه وقال
_أنا تعبت يا خديجة… والله تعبت.
خرجت كلماته مبحوحة
_خلاص… الحل زي ماقولت لك، تطلقني وتروح لها
نظر إليها بصمت، ثم سحبها بقوة لتسقط على صدره، وهمس قرب أذنها بصوتٍ كسير:
_قوليلي أعمل إيه؟ أحبك أقل؟ أكرهك؟ أنساكي إزاي؟
ملعون حبك ياشيخة اللي بيذلني دا، عايزة ايه، ردي عايزة ايه؟!
اكتفت بأن أغمضت عينيها، و دموعها تتسلل إلى الوسادة، واشتدت ذراعه حولها حين حاولت أن تبتعد
_ ابعد عني… إنت بتوجعني!
_ أوجعك؟! إنتِ شايفة ده وجع؟!
خرج صوته أجشَّ، محمّلًا بوجعٍ لم يعد يعرف كيف يُخفيه، بينما كانت أصابعه تُحكم قبضتها حول ذراعيها
رفعت عينيها إليه، تتأمل ملامحه التي طالما عشقتها، تبحث فيها عن الرجل الذي سكن قلبها يومًا، لكنها لم تجد سوى غريبٍ يُشبهه… غريبٍ يُمعن في إيذائها باسم الحب.
_ إنت بتعمل إيه؟! أنا معرفش إنت مين… مش إنت الشخص اللي حبيته يا عبدالرحمن، أنا معرفكش!
كانت كلماتها كفيلة بأن تُشعل ما تبقى من اتزانه، فاشتعلت عيناه بنظرةٍ مضطربة، واقترب منها أكثر
_ إيه يا مدام؟! مبقتيش تميّزي؟! مش عارفة أنا مين؟!
جذبها إليه بقوة، حتى لم تعد تفصل شفتيهما سوى أنفاسٌ متلاحقة، ثم انحنى نحوها، مثبتًا عينيه داخل عينيها
_ أنا حبيبك… سمعتي؟! أنا حبيبك وبس، ومفيش حد غيري ليه مكان جواكي!
ارتجفت شفتاها، وانسابت دمعة ساخنة فوق خدها، بينما حاولت إبعاد يديه عنها.
_ عبدالرحمن… بتوجعني!
لكن صوتها لم يصل إليه ؛ كان غارقًا في احتراقه الداخلي، في خوفٍ ينهش صدره
_ مسمعتش! أنا إيه؟!
أغمضت عينيها لحظة، وكأنها تستجمع ما تبقى من قوتها
_ حبيبي يا عبدالرحمن… لأنك، للأسف، حبيبي!
تبدّلت ملامحه فجأة، وانكسر شيءٌ في عينيه أمام اعترافها
_للأسف ياخديجة
رفع يده ببطء، ومسح دموعها بأطراف أصابعه، ثم مرّرها بين خصلات شعرها بحنانٍ يناقض تمامًا قسوته قبل لحظات.
جذبها إلى صدره، وضمّها بذراعيه، واضعًا رأسها فوق موضع قلبه، يريدها أن تسمع بنفسها كيف يضطرب لأجلها، وكيف يختنق كلما شعر بأنها تبتعد عنه.
دفنت وجهها في صدره، لكن دموعها لم تتوقف، بأسند ذقنه فوق رأسها وأغمض عينيه بقوة.
_ ايه جنوني بيكي دا
خرجت همسته مبحوحة،، وشدّ ذراعيه حولها كأنه يحتمي بها من نفسه.
لم تجبه، واكتفت بالبكاء بين ذراعيه؛
احتضنها كأنها آخر ما تبقى له من الحياة، وفي الوقت نفسه، يعاتبها كأنها السبب في كل موتٍ يسكنه.
اغمضت عيناها ولم تكن تعرف أيهما أشد إيلامًا…
أن تكون المرأة التي أحبها رجلٌ إلى هذا الحد، أم أن تكون عاجزة عن إعادة الطمأنينة إلى قلبه بعدما صار حبها نفسه مصدر عذابه.
انحنى ونظر لعيناها للحظات