الجزء الثاني من الفصل 16 من طعم في يدا أليفة بقلم سيلا وليد
استجابت لطلب والدها، بينما عاد عبدالرحمن إلى مقعده، لا يعلم أن دقائق قليلة ستصبح ذكرى تطاردهما معًا، كلٌّ بطريقته.
بعد انتهاء الغداء، جاءت الخادمة تحمل طبقًا من الفاكهة، ووضعته فوق الطاولة قبل أن تنصرف.
مدت ماسة يدها والتقطت حبة فراولة، ثم التفتت إلى عبدالرحمن بابتسامة ودودة.
_غسان بيقولي إنك بتحب الفراولة أوي، بس أكيد دي مش زي بتاعة مصر.
نظر إلى الثمرة بين أصابعه، وارتسمت على شفتيه ابتسامة، حين تذكر عشق محبوبته لعا اومأ لها مبتسمًا وهو يتناولها.
ضحكت ماسة
_أخيرًا يا عم ضحكت! أهو بكلمك مصري، تعرف إن بابا وعمي رفضوا إننا نتكلم مع بعض غير بالمصري؟
أجابها:
_باباكي معتز ببلده، وده شيء يتحسب له.
هزت رأسها متفقة معه، ثم قالت بتذمر مصطنع:
_آه، بس صاحبك تقيل شوية. ما بدأش يصحح اللغة غير معاك!
ضحك عبدالرحمن بخفة، وقال:
_فعلاً، غسان تعبنا جدًا في اللهجة، ولسه بيحشر إنجليزي في نص الكلام.
ابتسم بحب وردد:
_غسان يستاهل كل حاجة حلوة.
التفت إليها ، وتأمل ملامحها لثوانٍ، ثم قال بنبرة حملت معنى لم تستطع تجاهله:
_يا بختك بيه.
خفتت ابتسامتها قليلًا، وانسحبت عيناها بعيدًا عنه، قبل أن تتمتم:
_يا بختي فعلًا.
خرجت ماسة من شرودها في هذا الصباح بعد تذكرها جلوسها معه، وكيف تحول اللقاء الى كلمات مضحكة على غير عادته، فالتفتت نحو الفراش المجاور لها. كان عبدالرحمن مستلقيًا هناك، نائمًا بملامح هادئة.. ويبدو انه بدون ملابس
حدقت فيه طويلًا، ترى على وجهه اثار لاحمر الشفاة، شهقت تضع كفيها على فمها، وبدأت تتذكر همسه باسم خديجة، ولكن الصورة لم تجتمع بعد، همست بصوت مرتجف:
_عبدالرحمن…فوق إنت بتعمل إيه هنا؟
لم يجبها.
مدت يدها، ولكزته بخفة في ذراعه، ففتح عينيه بتململ، ثم ابتسم لها ابتسامة ناعسة.
_صباح الخير يا حبيبتي.
تجمدت ملامحها.
_نعم؟! إيه اللي حصل؟
وفي اللحظة التالية، انتفض من نومه، واعتدل جالسًا، ثم راح يتلفت حوله في ذهول، كأنما بدأ يستوعب المكان الذي استيقظ فيه. اختفت ابتسامته تمامًا، واتسعت عيناه بصدمة امتزجت بالغضب.
_أنا… أنا إيه اللي جابني هنا؟!
كانت صرخته آخر ما بقي عالقًا في ذاكرتها بوضوح؛ صرخة لم تفهم يومها إن كانت ابتسامته كانت تخص خديجة.
عودة إلى الحاضر…
انهمرت دموع ماسة بغزارة، وهي تستعيد تفاصيل تلك الليلة التي باتت لعنتها الخاصة.
في تلك اللحظة، طرقت الخادمة الباب قبل أن تدلف إلى الغرفة بحذر.
_الأكل يا مدام.
لم ترفع ماسة رأسها، بل أجابتها بفتور:
_مش عايزة.
اقتربت الخادمة قليلًا، وقالت بتردد:
_مينفعش يا هانم، البيه قال لازم تاكلي.
رفعت ماسة رأسها فجأة، واشتعلت عيناها بالغضب.
_امشي إنتِ والبيه بتاعك! روحي عنده هو، والغبية مراته!
ارتبكت الخادمة، لكنها حاولت التمسك بهدوئها.
_مدام، لو سمحتِ…
_اطلعي برة!
خرج صوت ماسة حادًا، فانتفضت الخادمة وتراجعت مسرعة. وما إن أُغلق الباب حتى دفنت ماسة وجهها بين كفيها، وانفجرت في بكاء مكتوم، تضغط على شفتيها كي لا يسمعها أحد.