لم يبقى لنا 2

حمحمت منار بحرج فهي للحظة لا تعلم كيف تفوهت بتلك الكلمات فاعتذرت قائلة:
– أنا بعتذر لحضرتك واضح إن حالتي المزاجية مأثرة عليا ومخلياني أقول كلام بايخ ياريت حضرتك متزعلش مني.

لم يشأ سامر أن يضيف عبأ أخر عليها فملامحها تخبره بأنها تمر بظروف سيئة فابتسم لها محاولًا التغاضي لتهون الأمر على نفسها وأردف:
– ولا يهمك المهم إني كنت حابب تصميمي لنا نموذج جديد لملامحق سكنية تكون بسيطة وتكلفة الإنشاء فالمعقول.

أومأت وعلى ثغرها ابتسامة وأردفت:
– إن شاء الله بس حضرتك هتحتاجه على أمته علشان أشوف وقتي والدراسة وكده.

أخبرها سامر بالتأني وترك لها مهلة مفتوحة دون قيود وأردف:
– أنا أسف لسؤالي بس واضح إنك مرتبطة بوالدك بدرجة كبيرة على كده عندك أخوات غير أمجد.

احمر وجهها وأجابته بارتباك:
– لا أمجد مش أخويا دي خطيبي ومكتوب كتابنا وهنتجوز بعد ما أخلص الكلية، إنما أخويا فاسمه أحمد وعندي أربع أخوات بنات.

تلاشت ابتسامته وحاول أن يخفي خيبة أمله فهو لم يتوقع أن تكون مرتبطة فعقب بقوله:
– آه أنا بعتذر أصلي افتكرتك مش مرتبطة علشان مشفتش الدبلة فأيدك فقلت إن أمجد يبقى أخوكِ، عمومًا مبروك يا بشمهندسة.

رفعت منار يدها أمام وجهها وحدقت بإصبعها المُلتهب وأردفت:
– الله يبارك فحضرتك ولو على الدبلة فهي للأسف عملت لي حساسية واضطريت أقلعها علشان العلاج.

أومأ سامر وأشاح بوجهه عنها لِيخفي حزنه فهو سمح لنفسه أن يحلم بها والآن بات حُلمه محرمًا فهي لآخر وعليه احترامه، زفر ليتمالك أمره والتفت إليها وأردف:
– وأمجد على كده زميلك فِالكلية ولا فِكلية تانية؟

هزت منار رأسها بالنفي وأجابته بعبوس:
– لا أمجد متخرج من هندسة القاهرة من زمان وِبيشتغل في مؤسسة علم الدين.

عقد سامر حاجبيه وهو يفكر بصاحب الاسم وهز رأسه بالنفي، فَأمجد الذي يعرفه متزوج من ليان علام، ولا يمكن أن يكون هو الشخص نفسه الذي تتحدث عنه فكاد يسألها ولكنه تراجع كي لا يساء فهمه، اختلست منار النظر نحوه وأحست ردة فعله أنه يخفي أمرًا ما عنها، فجأة ارتجفت وأحست بنغزة باردة تصفع قلبها ولم تدر لِما أدارت وجهها وحدقت بعينه ورسمت على شفتيها ابتسامة بلهاء وهي تخبره:
– تعرف يا بشمهندس أنا كان ممكن من أول يوم ليا فالكلية أقول إني مرات أمجد المُشير علشان أسهل أموري زي باقي زمايلي ما عملوا لكن أنا محبتش أعمل كده وقلت إني لازم أثبت لنفسي وللكل أني مش محتاجة واسطة، بس الحاجة الغريبة إن من أول سنة وأنا بقابل اضطهاد غريب زي ما يكون كان في حد بيحاول أنه يوقف خطواتي ومش عايزني أثبت وجودي فالكلية وللأسف اتعرضت لظلم كتير وفكل مرة كنت بحبط فيها كنت بفكر استغل صلتي بأمجد لكن كنت برجع تاني وأقول أكيد ربنا مش هيضيع تعبي وفعلًا ربنا عوضني لما قلت أني مش هتكلم عن صلتي بأمجد لكن هدافع عن حقي فجيت وقابلت حضرتك والحمد لله ربنا كافئني والحقيقة ظهرت والتصميم اللي شاركت بيه فالمسابقة فاز.

لم ينتبه سامر لحديثها فقد تبلد عقله أمام ذكرها اسمه زوجها كاملًا وأخذ يحدق بملامحها لا يصدق أن تكون منار زوجة ثانية لأمجد، لاحظت منار صدمته وكادت تسأله ولكنها تراجعت وأحست أنها أكتفت من المفاجأت وقررت الانصراف ونظرت إلى ساعة يدها ووقفت بحرج وأردفت:
– أنا آسفة يا بشمهندس بس الوقت عدى وأنا مش حابة أتأخر فأسمح لي أمشي.

أومأ بتفهم وسار بجوارها بقلب منكسر إلى الخارج وأشار لسيارته لمرافقتها إلى منزلها ولكنها رفضت بإصرار وغادرته بوجوم وجلست داخل إحدى السيارات تفكر بأمر تعبيرات وجهه الغريبة وردة فعله حين أتت على ذكر أمجد، وازداد وجومها وزفرت قائلة:
– أنا لازم أفهم في إيه بالظبط بيدور من حواليا وِعرفاه؟

طلبت منار من السائق تغيير وجهته إلى أخرى بديلة، وبداخلها تعاظم توترها فَتلك زيارتها الأولى لمقر عمل أمجد الذي حذرها مرارًا من الاقتراب منه تحت أي ظرف، والآن هي لا تعلم كيف ستكون ردة فعله حين يراها أمامه ولكن مهما كانت استجابته عليها مواجهته ووضع حد لشكوكها؟ صف السائق سيارته أمام بوابة المؤسسة الخارجية فَغادرتها منار باضطراب ووقفت للحظات يحثها عقلها على التراجع ولكنها التقطت أنفاسها بقوة وخطت إلى الداخل فَأوقفها أحد رجال الأمن فابتسمت بحرج وأردفت:
– بعد أذنك كنت عايزة أقابل البشمهندس أمجد المُشير.

تفرس بها الحارس بجدية وسألها باحترام وعلى شفتيه ابتسامة ترحيب:
– لو مافيش أي مواعيد سابقة يبقى حضرتك ممكن تدخلي للسكرتيرة بأول دور وهي هتقولك على التفاصيل.

أومأت منار بابتسامة مماثلة لخاصته وتبعت ارشاداته حتى توقفت أمام مكتب السكرتيرة وقرأت اسمها المدون باللوحة فوق سطح مكتبها وطلبت منها رؤيته فَبادلتها سميرة الابتسامة باحترام وأردفت:
– البشمهندس النهاردة عنده اجتماع وللأسف الجدول مزحوم جدًا ومش هيقدر يقابل أي حد بدون ميعاد سابق، فلو ممكن تسيبي بياناتك وأول ما المهندس جدوله يسمح بالمقابلة هنتصل ونبلغك بالميعاد.

بهتت ملامح منار وتساءلت عن أي اجتماع وجدول تتحدث وقد أخبرها أنه يعمل بمكتب يضم ضمن مئات المهندسين فنظرت إلى وجه سميرة وعقبت بحرج:
– أنا آسفة بس الظاهر إن حضرتك فهمتيني غلط أنا أقصد المهندس أمجد المُشير هو بيشتغل هنا في المكتب الهندسي بس الظاهر اختطلـ…

قاطعتها سميرة بعبوس طفيف قائلة:
– حضرتك المؤسسة مفيهاش إلا المهندس أمجد المُشير مدير المؤسسة ونسيب دكتور علام.

نزل القول على سمع منار وكأن سميرة أخبرتها نكتة هزلية فكادت تنفجر ضاحكة ولكن أمام جدية ملامح سميرة ازدردت لعابها وسألتها بصوت متلعثم وهي تدعو الله أن يخيب ظنونها:
– هـ ـو البـ ـشـ ـمهـ ـندس متـ ـجوز بنت الدكتور علام؟

أكدت سميرة قولها بهزة طفيفة من رأسها وهي تشيح بوجهها عنها وتلتقط سماعة الهاتف تقول:
– عم شعبان أعمل فنجان قهوة مظبوط للبشمهندس ووديه اوضة الاجتماعات قبل ما يبدأ اجتماعه.

ثم التقطت سماعة هاتف آخر بجوارها وضغطت بضع أزرار وأردفت:
– أيوة يا بشمهندس الفريق على وصول وأنا بلغتهم إن حضرتك مش هتناقش معاهم أي بنود سبق وراجعتها معاهم زي ما أمرت وطلبت لك القهوة.

استمعت منار لصوت سميرة وكأنه يأتي من بعيد وغادرت المكتب بخطى ثقيلة تشعر وكأن أحدهم أنهال على رأسها وضربها بقوة فهي لم تعد تعرف من هي ولا ماذا تفعل هنا؟ وأثناء سيرها الشارد كادت تصطدم بساعي المكتب فاعتذرت منه بتيه واستكملت خطواتها ولكنها وقفت والتفتت نحوه فَرأته يقف أمام إحدى الغرف وَيلجها، وَكإنسان آلي حسمت منار قرارها وخطت باتجاه الغرفة نفسها وَولجتها وتقدمت بضع خطوات لمنتصفها وتجمدت خطاها حين لمحت رأسه يختفي بين الكثير من الأوراق وسمعته يأمر الساعي بِترك القهوة والانصراف، بعد نحو الدقيقة رفع أمجد رأسه فَوقع بصره عليها فَشخص بها لا يصدق أنها خالفت أمره وجاءت، فَهب على قدميه مُزدردًا لعابه وطالع ملامحها اليابسة بصدمة وقبل أن ينبث أيًا منهم بكلمة اقتحمت ليان الغرفة وهي تناديه بصوتٍ مفعم بالسعادة ورأتها منار تتجاوزها وتحتضنه وتمطره بقبلاتها فكادت تمنعها من لمسه بصرخة مدوية احتبست بحلقها حين أجهزت ليان عليها بقولها:
– مش هتصدق يا أمجد أنا لسه جاية من عند الدكتورة واول ما بشرتني بِالخبر جيت لك جري علشان نفرح سوا، حبيبي أخيرًا حلمنا اتحقق وهيبقى عندنا بيبي.

ودت منار لو تنشق الأرض وتبتلعها لتُرحم من مذلة الانكسار فنصب عينها زوجها وامرأة أخرى تقبله وتزف إليه نبأ حملها، ابتسمت بحزن لتتفاجأ بتحول ابتسامتها إلى ضحكة تعالت شيئًا فَشيء حتى دمعت عينيها وبات الأمر يهدد بحدوث كارثة، التفتت ليان إلى الخلف حين جذب صوت ضحكتها انتباهها فحدقت بملامحها الغريبة وفحصتها بعينها بريبة وابتعدت عن أمجد الذي ازداد جموده ورجيف قلبه لرؤيته منار على وشك الأنهيار أمامه، لتنتشله من اضطرابه بِسؤالها الحائر المملوء بالغيرة وهي تتفحصه بملامح مقطبة:
– مين دي يا أمجد؟

وقع سؤال ليان على سمع منار كالصفعة التي محت أثر ضحكتها من وجهها وتطلعت نحوه هي الآخرى بترقب تنتظر إجابته على أحر من الجمر، وتمنت بداخلها لو كان يملك قدرًا يسيرًا من الشجاعة ما يخوله لِيجيب سؤالها ولكن أكد ظنها بصمته فرمقته باحتقار وشمخت برأسها واقتربت منها ومدت يدها إليها وصافحتها قائلة:
– المهندسة منار شُهدي كنت فمقابلة مع البشمهندس بس للأسف عرض الشغل اللي قدمه مش مناسب وكنت لسه هبلغه برفضي وقت ما دخلتِ، وبعتذر على ضحكي أصل كان معايا مكالمة ومقدرتش أمنع نفسي من الضحك، عمومًا بكرر اعتذاري ولو تسمحي لي أقولك مبارك على البيبي عن إذنك.

غادرتهم بثبات وما أن أغلقت باب الغرفة خلفها حتى أطلقت لساقيها الريح وأخذت تعدو وكأنها تهرب من حيوانٍ ضاري يريد الفتك بها، ولم تدر كم مضى عليها وهي تهرول فالطريق ولكنها انهارت فجأة وتوقفت حين نضبت قدرتها على التنفس وتلاشت قوتها وكادت تسقط أرضًا ولكنها تشبثت بالحاجز الفاصل بينها وبين النيل، فمالت بجذعها تحدق بصفحة الماء بعيون غائمة وأنفاس متلاحقة تتساءل لِما؟
بعد مرور بضعة ساعات خطت إلى داخل مسكنها يملائها الخواء ووقفت تحدق بعين والدها الذي هب عن مقعده، يشعر أن قلبه يوشك على التوقف وفحصها بنظراته بحثًا عن أي أثر لإعتداء او إصابة، فهي غائبة عن المنزل منذ ساعات وهاتفها مغلق، وكاد يسألها عن السبب إلا أنها أشاحت بعينيها بعيدًا هربًا منه لإحساسها بالخزي منه فيكف تواجهه وهي السبب وكامل المسؤولية يقع على كاهلها، تجمدت لوهله حين اصطدمت عينيها بعينه فهزت رأسها يمينًا ويسارًا رفضًا لوجوده ورمقته بنفور وابتعدت واضعة بينهما مسافة فاصلة، فازداد غضبه لإحتقارها إياه وثار كبريائه فرفع حاجبه بتحد لِيخبرها بثقة مفرطة وعنجهية أنها لن تستطيع منعه عنها ولا التفوه بكلمة أمام والدها وزم شفتيه وخطى صوبها ولم يدرك أمجد خطأ اقترابه منها إلا حين رفعت منار يدها وصدته عنها وحين أصر على اقترابه صرخت بقلب ملتاع وهرولت تحتمي بين ذراعي والدها بجسدٍ منتفض تتوسل إبعاده عنها، تجمد أمجد وزاغت نظراته التي اكسبها صدمة مزيفة من فعلتها، فَرمقه شُهدي بنظراتٍ حادة وريبة وهو يشدد من احتضانه لها وسأله بصرامة:
– أنت عملت فِبنتي إيه علشان توصل للحالة دي وترتعش بالمنظر دا؟

ازدرد أمجد لعابه ونفى فعله لشيء حينها رفعت منار وجهها ونظرت لوالدها بقلبٍ منفطر وأردفت بانكسار:
-لا عملت وعملت اللي لا يمكن كنت أتخيل أنك تعمله أنت خاين وغشاش ومعندكش ضمير وأنا من اللحظة دي مش عايزة أعرفك تاني.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!