لم يبقى لنا 2

بينما باءت حياة أمجد من سيئ إلى الأسوأ خاصة بعدما تفنن ضياء بإذلاله وأفسد حياته وبدلها من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، فبات بلا عمل وبلا مستقبل وأضحى ظلًا لا كيان له، كما أجبره على الرحيل قبل ولادة ليان مدعيًا سفره إلى الخارج ليُفاجأه بتوفيره له فرصة عمل لا يرقى إليه أبدًا بإحدى القرى النائية نظير انفصاله الصامت عن ابنته وعدم الزج به إلى السجن.
وكعادته مؤخرًا توارى مراقبًا إياها بعدما فاق اشتياقه إليها كل حد وتابعها ببصره وهي تسير نحو مقر الشركة وتمنى لو كان يملك من الشجاعة ما يجعله يواجهها ويطلب منها الصفح بعدما أدرك حجم خسارته التي لم يستطع تخطيها، لمحته فأوقفت خطواتها ونظرت نحوه للحظات ثم أشاحت بعينها عنه وتابعت سيرها ولكنه حسم أمره واعترض طريقها، وكما توقعت فعل وقف أمامها يرجوها باستعطاف فتطلعت إليه بحيرة وكأنها تراه للمرة الأولى، فجأة تساءلت أين ذهب شغفها به ولهفة قلبها ونبضاته المتسارعة لِرؤيتها إياه؟ وأين تلك الغصة التي علقت بمنتصف حلقها تُذيقها المرار منذ افترقت عنه؟ ضيقت منار ما بين حاجبيها وحاولت إيجاد تفسير لما تشعر به من فتور نحوه، فأتتها الإجابة واضحة كضوء الشمس تُنير بصيرتها وإدراكها وجعلتها ترى بوضوح أنها سجنت نفسها طوال العام المنصرف بين جدران محبتها له ومحاولتها إيجاد الخطأ والعيب بشخصها الذي دفعه للتخلي عنها، لِتلعن سذاجتها فهي لم تخطأ وقلبها لم يُجرم بل أحبت وأخلصت وهو غدر وخان، وإن كان على أحدٍ منهما أن يشعر بالذنب فهو من عليه الشعور بخزي الذنب وليس هي.
ومن نافذة مكتبه رآه يظهر من العدم أمامها فانتفضت الغيرة بداخله ودفعته دفعًا إلى الخارج بعدما اشتعل قلبه خوفًا من عودته، بينما حاول أمجد إيجاد كلماته التي رتبها أيامًا لِيُخبرها بِافتقاده لها ولكنه فشل وتاه بظلمات نفسه لتزيده منار بأسًا بإحباطها محاولته وهي تخبره بهدوء ووجه مبتسم:
– شكرًا بجد أنا مش عارفة أشكرك أزاي على جميلك بِظهورك دلوقتي في اللحظة دي بالذات.

لوهلة ارتجف قلبه وظنها تمنحه فرصة الغفران ولكنها بددت ظنه بإضافتها:
– عارف أنا لو مكنتش شوفتك دلوقتي كنت هفضل ظالمة نفسي وأنا بدور على الغلط اللي عملته وخلاك تروح لوحدة تانية، ياه يا أمجد أنت متعرفش أني بمجرد ما شوفت فهمت أني معملتش إلا حاجة واحدة بس غلط وهي أني حبيتك، أيوه تخيل أنك الغلطة الوحيدة اللي غلطتها والحمد لله أنك صلحت غلطتي لما بعدت عني، عارف أنا أول ما هطلع المكتب هَتوضى وهَصلي ركعتين شكر لله أنه خلاني أفوق قبل ما حياتي تضيع مني على الفاضي.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

error: Content is protected !!