لم يبقى لنا 2
صرخ بوجهها وقد استبد به غضبه:
– جرى إيه يا منار ما تحافظي على لسانك وتفوقي وتشوفي أنتِ بتتكلمي معايا أزاي؟
ابتعد منار عن دائرة أمانها ورمقته بكراهية وبادلته الصراخ قائلة:
– أنا أكلمك بالطريقة اللي تعجبني وبأي أسلوب أشوفه مناسب لواحد سقط من نظري ومعدش له أي وجود فِحياتي، وأظن بعد التمثيلية اللي كنت بتخدعني بيها ما اتكشفت وخلصت وكلمة النهاية نزلت النهاردة، بلاش تبص لي وكأنك مصدوم ومش فاهم أنا بتكلم عن إيه؟
عقد شُهدي حاجبيه وسألها بحدة:
– إيه يا منار الأسلوب اللي بتتكلمي بيه دا يا بنتي وبعدين ما تفهميني تمثيلية إيه ونهاية إيه اللي بتتكلمي عنها؟ ما توضحي في إيه ولا أنتِ ناوية تسيبيني على عمايا؟
التفتت نحو والدها وأطرقت برأسها أمامه بأسف وأردفت:
– أنا هقولك على كل حاجة يا بابا لإنه حقك وواجب عليا أحكي لك بس الأول أنا ليا عندك طلب واحد أرجوك توافقني عليه، أنا عايزة حضرتك تديني فرصة واحدة واعتبرها المرة الأخيرة اللي هتسمح لي فيها أتكلم مع أمجد من الأساس، وبعدها هفهمك اللي حصل واللي عرفته وهسيب لك أنت وبس حق اتخاذ القرار بدون أي تدخل مني؟
بادل شُهدي نظراته بين ملامح ابنته المحتقنة ووجه أمجد المضطرب وللمرة الأولى يرى نظرة الانكسار تلك بعينيها فأدرك أن هناك أمرٌ ما خطير وقع بينهما فهو لم يرها بتلك الحالة إلا مرات قلائل فنغزه قلبه وكاد يرفض طلبها ولكنه استجاب وانصرف رُغمًا عنه لِعلمه أنها زوجة أمجد حتى اللحظة وأنه لا يستطيع منعها عنه ولا التدخل بينهما إلا إذا أرادت هي.
(9) مواجهة صادمة.
تنفست منار بقوة وشبكت كفيها معًا والتفتت إليه، ونظرت نحوه وفحصته بِعينيها فأحست أنها تراه للمرة الأولى دون قناعه الذي اعتاد إخفاء حقيقته خلفه وابتسمت ساخرة لِسذاجهتها، فهي سلمت له أمرها بالكامل منذ سنوات، وعاشت تُفكر بعقله مرات ومرات لِتدرك الآن أنه لم يسع إلا لِمصلحته وشخصه، لذا عليها أن تضع حدًا لِكل عبثه! التقطت منار نفسًا عميقًا وزفرته قائلة:
– طلعت ممثل شاطر يا أمجد، وقدرت تخدع كل اللي حواليك بوش الشاب المكافح الطموح اللي بيسعى علشان يحقق ذاته ويبني نفسه بمجهوده، بصراحة أنا برفع القبعة علشان قدرت تحافظ على سرك ومحدش قدر يكشف خداعك، وعارف أنا لو كان حد جه قال أنك كذاب وخاين وأقسم أنك متجوز واحدة تانية مكنتش هصدق، بس حظك يا أمجد إن أنا اللي شوفتك بِعيني زي ما يكون ربنا أراد إن يفوقني من غفلتي وتنكشف حقيقتك قصادي.
أثارت غضبه ببرود حديثها فاقترب منها وقبض على ساعدها مُردفًا:
– منار الزمي أدبك معايا ومتنسيش إني جوزك يا هانم، وبعدين أنا عايز أعرف أنتِ إيه اللي جابك المؤسسة من غير ما تستأذنيني؟ وِأزاي أصلًا يا محترمة تسمحي لنفسك تخرجي مع راجل غريب؟ لعلمك أنا هحاسبك على كل غلطاتك دي بس هأجل الحساب لحد ما تبقي فبيتـ…
خلصت منار ساعدها منه ودفعته عنها بقوة لم تعرف كيف امتلكتها ووقفت تتطلع نحوه بصدمة لا تصدق تبجحه وجرأته فأشارت إليه بإصبعها قائلة:
– بيت مين يا أمجد اللي بتتكلم عنه، فوق البيت دا خلاص معدش له وجود وعمر ما هيكون فيه بيت يجمعني بيك، ولا هيبقى في حساب من الأساس بينا بعد النهارده، علشان أنا معدتش عايزة أشوفك بعد اللي عرفته عنك ولا حتى عايزة يكون لي أي صلة بيك، وبالنسبة لموضوع أنك جوزي والكلام الفاضي دا فأنت هَتطلقني ودا آخر كلام ليك عندي.
أطاحت بتعقله بطلبها الطلاق منه وكاد يصفعها لتجروأها على طلب الطلاق منه ولكنه تراجع، فهو لا يريد هدم كل سبله إليها كي لا يخسر وعليه تمالك نفسه خاصة أنه بمنزلها فعاد إلى الاقتراب منها وهو يختلس النظر حوله وأردف:
– لو في حد فينا محتاج يفوق فهو أنتِ يا منار علشان أنا مش هطلقك مهما عملتي، ولعلمك أنتِ لو نشفتي دماغك أنا ساعتها هضطر أطلبك في بيت الطاعة علشان مش مستعد أخسرك.
لم تصدق إصراره المقيت للنفس بتمسكه بها وهو زوج لأخرى وارتمت فوق الأريكة بانهزام ونظرت نحوه بحسرة، فَقلبها أحبه وعاش يحلم طويلًا باللحظة التي ستكون له ولكنه غدر بها وطعنها بخيانته لها وأمام نظراته المتحدية لها أجابته بتأكيد:
– حتى لو طلبتني فبيت الطاعة عمري ما هكون ليك ولا هشوفك راجل يملى عيني بعد ما بعتني بالرخيص، وصدقني أنت لو عاندت فأنا كمان هعاند وهرفع عليك ق\ضية خلع ومش كده وبس، لا أنا هروح لمراتك بنت الحسب والنسب اللي أكيد ضحكت عليها زي ما ضحكت عليا وهَكشفك على حقيقتك وهَفضحك قصادها، وهقولها إن أمجد المُشير الفارس المغوار مش أكتر من محتال لعب بيها وخدعها زي ما لعبت بقلبي وبحياتي وكسرتني بدل المرة تلاتة، مرة لما هربت مني وأنا فِأشد احتياجي لِوجوده معايا، ومرة لما اتجوزت واحدة تانية وأنت معيشني في الوهم، ومرة لما روحت اتفقت مع المهندس أيمن وطلبت منه يرفض تصميمي علشان أمجد المُشير بجلالة قدره مينفعش واحدة زي منار البنت الفقيرة اللي أبوها شغال بدل الشغلانة اتنين علشان يوفر لهم لقمة العيش واللي له سنين مديون تنافسه وتبقى أحسن منه، مش دا السبب اللي علشانه روحت استخدمت أقذر الأساليب وكنت عايز تقتل طموحي وتسرق فرحتي فكل مرة أثبت نجاح فيها، للأسف يا أمجد أنا اكتشفت متأخر جدًا أنك إنسان أناني ومغرور ومش بتحب إلا نفسك وصدقني مراتك صاحبة الأملاك لو عرفت كل دا عنك ما أظنش أنها هتفضل باقية عليك وأكيد هَترميك برا حياتها زي ما أنا هرميك؟
ود لو يخرس لسانها عن الكلام فهي تكشف عورة عيوبه رُغم ضعفها، فزفر وأمعن النظر إليها فأخبرته عيناها أنها لن تهدأ حتى تنفذ وعدها، ولكن أكثر ما هاله كان انطفاء جذوة الحب خاصته التي كانت تلمع بعمق عينيها فأشاح بوجهه عنها وأردف باستسلام:
– تمام يا منار أنا هعمل لك اللي أنتِ عايزاه عن إذنك.
هم أمجد بالانصراف ولكنه توقف حين ارتفع صوت شُهدي الذي استمع إلى حديثهم بقوله:
– استنى عندك وقبل ما تروح لحال سبيلك أرمي على بنتي يمين الطلاق علشان منار مش هتبات ليلة زيادة وهي على ذمتك، ولو على للمأذون فأنا كلمته وزمانه على وصول، واطمن بنتي هَتبريك وهَتتنازل عن أي حق ليها عندك، حتى شبكتك هسلمهالك هي وكل حاجة جبتها، الله الغني عن أي حاجة تيجي من طرفك، ولو على حق بنتي برقبتك فربنا قادر وعادل وبكرة يجبر خاطرها ويطيب كسرها وينسيها حتى اسمك.
جلست أمامه تحدق بعينه بثبات وقوة ولم يرف لها جفن تعلم أنه سيمضي بعيدًا عنها ويرحل ولكنه سيخلف بقلبها جُرحًا غائرًا تعلم أنه لن يندمل أبدًا، وبلحظة مر شريط حياتها برفقته أمامها وأحست بيد باردة تنزع وجوده من داخل كل ذكرى جمعتهما معًا ذات يوم، فجأة ساد المكان هدوءًا مريبًا فرفعت عينيها فأبصرت الشيخ يغلق دفتره ويغادر مُستغفرًا بينما تجمد أمجد بمكانه بوجوم، وقبل أن تشيح وجهها بعيدًا تلاقت أعينهما وبثوان وجدته يجثو أمامها ويتطلع بملامحها بحزن ولم تدر كيف السبيل لتمنع دموعها من الانهمار أمامه فتلك هي نهاية قصتهما ولحظة وداعهم الأخيرة، ومن مكانه تابعهم شُهدي فتسلل بعدما أدرك أن لا خوف على ابنته من الآن فصاعدا، ظل الصمت يغلفهم لدقائق قطعها أمجد بقوله:
– أنا لو لفيت الدنيا مستحيل هلاقي قلب زي قلبك للأسف بغبائي خسرتك ومعرفتش أحافظ عليكِ، منار أنا عمري ما كذبت عليكِ لما قلت لك إني بحبك وهَفضل أحبك لآخر نفس جوايا، أنا عارف إنك مش مصدقاني وفاكره أني بمثل عليكِ بس صدقيني الراجل اللي قاعد تحت رجلك هو أمجد حبيبك اللي مكنش يتخيل إن هيجي عليه اليوم وتضيعي منه.