طعم في يدا أليفة بقلم سيلا وليد من الخامس عشر، للثامن عشر
توقفت السيارة أمام مبنى شاهق، تتلألأ واجهته الزجاجية تحت أشعة الشمس، في واحدة من أرقى مناطق القاهرة.
ترجلت خديجة من السيارة، ورفعت رأسها تتأمل المبنى للحظات، ثم تحركت نحو المدخل بخطوات واثقة، لا تعرف أن ما ينتظرها في الداخل سيفتح أمامها أبوابًا لم تكن تعلم بوجودها أصلًا.
توقفت أمام مكتب الاستقبال، وألقت نظرة سريعة على المكان الواسع الذي يعج بالحركة، ثم اقتربت من الموظفة بابتسامة مهذبة.
_ لو سمحتِ، عايزة أقابل الباشمهندس عبدالرحمن الديب.
رفعت الموظفة رأسها إليها، ثم سألتها باحترام:
_ تقصدي المدير العام يا فندم؟
توقفت خديجة لحظة، وعقدت حاجبيها باستغراب.
_ المدير العام؟! لا، هو… يعني أيوة، هو، بس…
في تلك اللحظة، انفتح باب المصعد، وخرج غسان بخطوات سريعة، يتحدث في هاتفه بلهجة مقتضبة.
_ خليهم يخرجوا العربية، أنا هتحرك دلوقتي.
أنهى المكالمة، ثم اتجه نحو البوابة، لكنه توقف حين التقطت أذناه اسم عبدالرحمن.
_ لا، الباشمهندس عبدالرحمن الديب، مهندس هنا.
استدار برأسه، فوقعت عيناه على خديجة الواقفة أمام موظفة الاستقبال.
تأملها للحظات، وتذكر أنها هي التي اصطدم بها بالأمس، لكن لماذا أتت إلى هنا؟ ولماذا تسأل عن عبدالرحمن؟
عاد ببصره إلى الموظفة التي كانت تسألها:
_ نقوله مين يا فندم؟
أجابت خديجة ببساطة:
_ مراته.
تجمدت ملامح غسان لجزء من الثانية.
مراته!
الكلمة التي قالتها الفتاة بعفوية جعلته يعيد النظر إليها.
تأمل خديجة من جديد، يتفحصها بتمهل، وهمس في نفسه:
هل هذه زوجة عبدالرحمن الأخرى؟
لم يتوقع أن تكون زوجته بهذه الهيئة الهادئة، بهذا الجمال الحقيقي، دون تزييف أو تجميل، ولا أن يرى في ملامحها ذلك القدر من الثقة الذي لا يحتاج إلى استعراض.
حقًا، أبهَره جمالها الهادئ، وقوتها وثقتها.
اقترب منهما بخطوات ثابتة، دون وعي، وتوقفت خديجة عن الحديث حين وجدته يقف أمامها.
مد يده إليها، محاولًا أن يرسم ابتسامة رسمية على وجهه.
_ فكراني؟ اتقابلنا امبارح، ومن غير معاكسة، أنا غسان الحداد. وبالمناسبة، أنا بعتذر لك عن سوء الفهم اللي حصل بينا المرة اللي فاتت.
نظرت خديجة إلى كفه الممدودة، ثم رفعت عينيها إلى وجهه.
تذكرت حديث عبدالرحمن عنه، وتذكرت تلك النظرات الغريبة التي لاحظتها بالأمس.